كتب الدكتور نسيب حطيط :
بدأت اجتماعات واشنطن التي سُميت خداعاً بالمفاوضات، خلافا للواقع، فالمفاوضات تكون بين طرفين متناقضين، يشاركهما طرف محايد غير منحاز لتقريب وجهات النظر والمساعدة في إيجاد الحلول الوسط. ،بينما اجتمع في واشنطن ثلاثة أطراف (أمريكا وإسرائيل ولبنان_الرسمي)، وهي أطراف متجانسة وتتبنى الرأي الواحد بأن المقاومة “خارجة عن القانون “وحركة إرهابية وتنضوي ضمن تحالف تقوده أمريكا وتنفذ خططه ذراع أمريكا العسكرية الإسرائيلية بالاجتياح والقصف وذراع أمريكا السياسية اللبنانية بالقرارات السياسية والأمنية التي تشرّع للعدو جرائمه وحربه ، مما يجعل هذه الاجتماعات “اجتماعات الطرف الواحد” المتعدد الاختصاصات والمهام ،لتنفيذ المشروع الأمريكي، للقضاء على المقاومة في لبنان ونزع سلاحها بالتضامن والتكافل، بسبب عجز كل طرف عن تنفيذ هذه المهمة منفرداً!
أطلقت الحكومة اللبنانية قنابل دخانية حول اجتماعات واشنطن، وأعلنت أن هدفها الأساس تثبيت وقف إطلاق النار قبل البدء بأي تفاوض مباشر حول ملفات السلام والتطبيع، وقامت بعملية تضليل واسعة، كشفها بيان وزارة الخارجية الأمريكية بعد انتهاء الاجتماع، والذي أكد على أن الأطراف الثلاثة ناقشوا المسائل التالية:
– دعم خطط الحكومة اللبنانية لاستعادة احتكار السلاح.
– إنهاء النفوذ الإيراني المفرط. (وليس إنهاء الاحتلال الإسرائيلي)
– تجاوز نطاق اتفاق عام 2024_ أي إلغاؤه_ ودون ذكر لأي قرار دولي، خاصة القرار 1701 والقرار 425 وبقية القرارات.
– دعم “حق إسرائيل” في الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات المستمرة من حزب الله. (مع ان إسرائيل هي التي اجتاحت واحتلّت)
– أي اتفاق حول وقف الأعمال العدائية يكون حصراً بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية برعاية أمريكا وليس عبر أي مسار منفصل. (فصل لبنان عن إيران وعن المبادرة العربية للسلام).
– تأكيد الجانب الإسرائيلي دعمه لنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة وتفكيك البنية التحتية للإرهاب، مؤكداً التزامها بالعمل مع الحكومة اللبنانية لتحقيق هذا الهدف بما يضمن أمن شعبي البلدين. (اعلان التعاون والتنسيق الأمني بين لبنان وإسرائيل وفق نموذج التعاون بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل).
لم يذكر بيان الخارجية الأمريكية أي بند حول وقف إطلاق النار على لبنان أو انسحاب قوات الاحتلال أو أي أمر لمصلحة لبنان، وكذلك العدو الإسرائيلي لم يتعهد إلا بشيء واحد وهو التحالف مع الحكومة اللبنانية ضد المقاومة. وأخطر نتائج هذا الاجتماع “حصر” الحرب بين “(حزب الله” وإسرائيل) وليس بين (لبنان وإسرائيل)، واعلان الحكومة اللبنانية ان “الحزب” ليس لبنانيا وليس من مسؤولياتها حمايته، بل التعامل معه كعدو!
إن اجتماع واشنطن هو اجتماع “البلاغ رقم واحد” للتحالف “الثلاثي” ضد المقاومة، مما يستدعي من القوى الوطنية والمقاومة، مغادرة دائرة الصمت والحياد والاستيعاب والخوف من الفتنة الداخلية، والمبادرة إلى إجهاض “التحالف الثلاثي” عبر اسقاط وكسر أحد قوائمه “الحكومة اللبنانية”“ومواصلة المواجهة الميدانية ضد الطرف الإسرائيلي وارباك وتقييد حرية الحركة للطرف الأمريكي في لبنان، وإلا فستضيع كل إنجازات المقاومين الحالية والسابقة على مدى 70 عاما وسيدخل لبنان في العصر الإسرائيلي.
أعلن “اجتماع واشنطن” بدء إطلاق النار على المقاومة ، بدل وقف اطلاق النار الإسرائيلي ، حيث تشارك الحكومة اللبنانية للمرة الثانية في العدوان على المقاومة ،بعدما شاركت حكومة “أمين الجميل “بعد اجتياح عام 1982 مع المارينز والقوات المتعددة الجنسيات والعدو الإسرائيلي في حصار المقاومة وتنصيب رئيس للجمهورية ونظام سياسي موالٍ وتابع لإسرائيل وأمريكا، لكن سرعان ما استطاعت المقاومة إجهاض هذا العدوان، وأخرجت المارينز خلال أشهر، وأسقطت نظام الجميل في انتفاضة شباط 1984 ، وأخرجت إسرائيل بعد 18 عاماً في عام 2000 وكما ستفعل الآن!
تحاول أمريكا وإسرائيل إعادة تنفيذ مشروعهما الذي تأخر 44 عاماً الذي أسقطته المقاومة في لبنان في ظل عدم توازن القوى والزلزال الذي أصاب محور المقاومة، حيث خسرت المقاومة الدعم السوري السابق، ولا تستطيع الاستفادة من الدعم الإيراني المشابه للدعم الإيراني عام 1982، بعدما تعرّضت إيران لحرب أمريكية-إسرائيلية، يبدو أنها ستنتهي بهدنة، لحفظ مصالح الأطراف المشاركة وفصل الجبهتين اللبنانية والإيرانية عسكرياً وسياسياً!
إن واجب القوى المقاومة الوطنية والإسلامية، المبادرة لبدء المواجهة ضد أعداء الداخل، للتكامل مع المعركة التي يخوضها المقاومون في الجنوب، بعدما صار “لبنان _الرسمي” شريكاً وحليفاً لإسرائيل ضد المقاومة، وأي تأخير وتردّد بالمواجهة، سيؤدي إلى نجاح مشروع العدوان الثلاثي للقضاء على المقاومة.
تعمل إسرائيل وفق شعار الموساد (اقتل… أولاً) ويمكن الاستفادة من هذا الشعار، بعد عكس اتجاهه…أسقطوا الحكومة قبل ان تُسقطكم!
