“هنا بنت جبيل، حيث تقف القلة، ويسقط ميزان القوة.” / بقلم: أ.د. وشاح فرج
أواه يا بنت جبيل، يا نبض الجنوب حين يشتد الخطب، ويا حكاية الأرض حين تكتب بالدم والصبر معا”.
هنا، حيث تتكئ البيوت على كتف الصمود، وتعلق الأمهات قلوبهن على أبواب الانتظار، يولد الرجال، لا كغيرهم من الرجال، بل كأبناء معنى، وحملة قضية، وحراس ذاكرة لا تموت.
من هم هؤلاء؟
أي سر يسكن وجوههم المتعبة فلا تنكسر؟
كيف ينامون على هدير القلق، ويأكلون من فتات الوقت، ثم يقفون كأنهم الجبال؟
إنهم أولئك الذين تعلموا أن الكرامة ليست شعارا”، بل حياة تعاش أو لا تكون. أولئك الذين اختصروا المسافات بين الخوف والشجاعة، فجعلوا من صدورهم دروعا”، ومن إرادتهم سيوفا” لا تنثني. ليسوا أبناء لحظة عابرة، بل امتداد لتاريخ طويل من المقاومة، كتب بحبر المعاناة، وختم بدم الشهداء.
في بنت جبيل، لا تقاس المعارك بعدد الجيوش، بل بعمق الإيمان. هنا، يقف القليل في وجه الكثير، لا لأنهم لا يرون الخطر، بل لأنهم يرون ما هو أبعد: يرون وطنا” يستحق، وكرامة لا تساوم، ومستقبلا” لا يبنى إلا بالصمود.
لقد أدهشوا العالم. نعم، أدهشوه حين أعادوا تعريف القوة، فلم تعد في السلاح وحده، بل في العقيدة التي تحمله، وفي القلب الذي لا يعرف الهزيمة. أدهشوه حين أثبتوا أن الإنسان، حين يؤمن بقضيته، يصبح أقوى من كل حسابات المنطق.
العالم اليوم لا يراقب فقط، بل ينتظر. ينتظر نتيجة هذا الثبات الأسطوري، ينتظر أن يرى كيف تصنع الانتصارات حين تتكامل الإرادة مع الحق. ينتظر درسا” جديدا” في أن الشعوب الحية لا تقهر، وأن الأرض التي تروى بالتضحيات لا بد أن تزهر حرية.
أيها الرجال، يا من تقفون على حافة الخطر لتصنعوا الأمان لغيركم، اعلموا أن وراءكم قلوبا” تدعو، وعيونا” تترقب، وأمة ترى فيكم صورتها التي تحب أن تكون. أنتم لستم وحدكم، فكل نبضة في هذه الأرض معكم، وكل دعاء صادق يحيط بكم كدرع خفي.
قد يطول الطريق، وقد تشتد العتمة، لكن الفجر لا يخون من انتظره صابرا”. والنصر، مهما تأخر، هو وعد لمن ثبت، وسنة لمن صدق.
فامضوا، فأنتم لستم فقط حماة أرض، بل صناع معنى، وكتاب تاريخ جديد.
وإذا كان العالم ينتظر، فنحن نوقن أن النهاية ستكون كما تليق بكم:
نصرا” يليق بالثابتين، وبنت جبيل، وبكل قلب آمن أن الحق لا يهزم.
