رغم دخول البلاد في مرحلة هدنة، إلا أن الطمأنينة لم تدخل إلى قلوب الناس بعد. فبدلاً من أن تكون الهدنة مساحة لالتقاط الأنفاس، تحولت لدى كثيرين إلى فترة انتظار مشحونة بالخوف والتساؤلات. البعض يؤكد أن الهدوء مؤقت وأن الحرب قد تعود في أي لحظة، فيما يرى آخرون أن الأمور تتجه نحو التهدئة والاستقرار. وبين هذين الرأيين، يبقى المواطن وحده من يدفع ثمن القلق اليومي.
في المناطق التي عاشت التهجير، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. عائلات عادت إلى منازلها بعد شهور من النزوح، لكنها لم تعد بثقة كاملة، بل بحذر واضح وترقب دائم. البعض دخل بيته ليطمئن عليه، جمع بعض الثياب والحاجيات، ثم عاد إلى مكان نزوحه خوفاً من أي تطور مفاجئ. وآخرون عادوا لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمّل أعباء الغربة أو تكاليف الإيجار أو حياة الانتظار الطويلة.
في المقابل، هناك من يعيش على أعصابه كل يوم، لأنه لا يملك مكاناً آخر يلجأ إليه إذا انهارت الهدنة. هؤلاء لا يملكون رفاهية الخيارات، ولا قدرة على الانتقال من جديد، فيجدون أنفسهم أسرى الأخبار المتضاربة والشائعات المتسارعة. كل خبر عاجل يتحول إلى مصدر توتر، وكل تحليل سياسي يصبح عبئاً إضافياً على حياة مرهقة أصلاً.
الحرب لا تبدأ دائماً بصوت الصواريخ، بل قد تبدأ من الخوف الذي يسبقها. وهذا ما يعيشه الناس اليوم: حرب نفسية مفتوحة، عنوانها عدم اليقين. فحين لا يعرف المواطن إن كان سيبقى في منزله أم سيغادره، وإن كان الغد هادئاً أم متوتراً، تصبح الحياة اليومية نفسها معركة صامتة.
أما سياسياً، فالهدنة تبدو معلقة بين حسابات كثيرة، داخلية وخارجية، تجعل مستقبلها غامضاً. لكن الناس لا ينظرون إلى المعادلات السياسية بقدر ما ينظرون إلى واقعهم المباشر: هل يستطيعون العودة؟ هل يمكنهم إعادة بناء حياتهم؟ هل يستطيع الأطفال الذهاب إلى مدارسهم بلا خوف؟
في النهاية، ما يطلبه الناس ليس أكثر من استقرار حقيقي، لا هدنة مؤقتة قابلة للانهيار مع أول توتر. فهم تعبوا من النزوح، ومن الانتظار، ومن العيش بين حقيبة جاهزة وخبر عاجل. وبين شبح الحرب ومرارة التهجير، يبقى الأمل الوحيد أن تتحول الهدنة من مجرد توقف مؤقت للنار، إلى بداية فعلية للحياة
