في زمنٍ تتساقط فيه الحجارة قبل الكلمات، وتُختبر فيه إنسانية البشر على وقع الدمار، يخرج حسان من بين الركام… لا كناجٍ فقط، بل كشاهد حيّ على وجع الجنوب وصموده.
الحاج حسان، ابن بلدة حاروف، لم يكن ينتظر معجزة. كان تحت الأنقاض، بين الغبار والصمت الثقيل، يحاول أن يلتقط أنفاسه بيديه العاريتين. لا منقذ وصل، ولا صوت طمأنه، ولا يد امتدت إليه. كان وحده… يواجه ثقل الحجارة كما يواجه قدره.
لكنّه نهض.
نهض من بين الركام كما تنهض الأرض بعد الزلزال، مثقلاً بالغبار، لكنه مرفوع الرأس. لم يكن خروجه مجرّد نجاة، بل إعلانًا صامتًا أن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال ممكنة.
وعلى الرغم من كل ما حدث، لا يزال الحاج حسان حتى هذه اللحظة مُصرًّا على البقاء في بلدته. لم يغادر، ولم يفكّر بالرحيل. كأن الأرض التي كادت أن تبتلعه، هي نفسها التي يتمسّك بها أكثر. يختار أن يبقى، لا عنادًا فقط، بل إيمانًا بأن هذه الأرض له… وأنه منها، وإليها.
على وجهه، لم تكن مجرد ملامح رجلٍ تعب… بل كانت قصة. شمـوخ لا يُوصف، وصبرٌ أكبر من الدمار، وقوة لا تُقاس بما تبقى من الجدران. كان وجهه مرآة الجنوب: موجوع، لكنه صامد.
هذه ليست حكاية فرد، بل حكاية وطن.
الحاج حسان ليس استثناءً، بل صورة عن كثيرين سقطت بيوتهم ولم يسقطوا، انكسرت حياتهم ولم تنكسر إرادتهم.
في لحظة، يصبح الإنسان كل ما يملك.
وفي لحظة أخرى، يثبت أن ما بداخله أقوى مما فقده.
ومن لا يعرف الجنوب…
فلينظر فقط في وجه الحاج حسان.
