الضاحية تعود إلى دائرة الاستهداف… والاتفاق الإيراني في مهبّ التصعيد
كتبت ديالا باجوق :
يشكّل استهداف الضاحية الجنوبية للمرة الأولى بعد الهدنة تطوراً بالغ الخطورة، لما يحمله من رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الضربة الميدانية، وتفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل الهدنة واحتمال عودة التصعيد إلى الواجهة.
فالاستهداف لا يبدو حدثاً عابراً، بل محاولة واضحة لفرض قواعد اشتباك جديدة بالقوة، تعيد المشهد إلى ما قبل الثاني من آذار، وتكرّس معادلات ضغط ميداني وسياسي على لبنان وحزب الله معاً. كما يُعتبر اختباراً مباشراً لموازين القوى الحالية، ولمدى قدرة الحزب على الرد داخل العمق الإسرائيلي، أو اختياره ضبط النفس تفادياً لانفجار أوسع في المنطقة.
وتتقاطع الضربة أيضاً مع ضغوط سياسية متزايدة على السلطة اللبنانية، في ظل الحديث عن مساعٍ أميركية لدفع لبنان نحو تنازلات سياسية كبرى، بينها طرح لقاء يجمع الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي في واشنطن، وهو ما يضع التصعيد العسكري في إطار الضغط السياسي الإقليمي والدولي.
اللافت أن الاستهداف جاء بعد ساعات قليلة من تطورات دولية حساسة، أبرزها إعلان الرئيس الأميركي احتمال التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب قبل زيارته المرتقبة إلى الصين، بالتزامن مع تسريبات نقلتها صحيفة هآرتس عن معارضة واسعة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لأي اتفاق أميركي – إيراني، واعتباره “كارثة” على إسرائيل.
وفي حال صحّت المعلومات التي تحدثت عن تنسيق أميركي – إسرائيلي في استهداف الضاحية، فإن الرسالة تبدو موجهة إلى طهران عبر الساحة اللبنانية، ضمن سياق الضغط التفاوضي الأميركي ومحاولة تحسين شروط التفاوض مع إيران، أو ربما التعبير عن تعثر المفاوضات وعدم الرضى عن الطرح الإيراني.
أما إذا كان القرار إسرائيلياً منفرداً، فقد يكون بنيامين نتنياهو شعر باقتراب التفاهم الأميركي – الإيراني، فسعى إلى استدراج حزب الله نحو رد عسكري واسع، يمنحه ذريعة لتفجير المنطقة مجدداً ونسف أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران.
ويبقى السؤال الأبرز: هل سيرد حزب الله؟
حتى الآن، يبدو أن الحزب يربط إيقاع المواجهة الميدانية والسياسية بمسار التفاوض الأميركي – الإيراني، إذ إن أي رد واسع قد يمنح إسرائيل فرصة لتعطيل الاتفاق مع إيران، بينما قد يؤدي عدم الرد إلى تشجيع تل أبيب على تكرار استهداف الضاحية وربما توسيع دائرة الضربات نحو بيروت.
لكن في المقابل، يدرك الحزب أن تثبيت “الخط الأحمر” حول الضاحية الجنوبية يشكل جزءاً أساسياً من معادلة الردع، ولذلك فإن كثيرين يرجّحون أن الرد لن يتأخر، ولو ضمن حسابات مدروسة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
وفي ظل معلومات دبلوماسية غربية تتحدث عن سعي إسرائيلي لإفشال أي اتفاق مع إيران، وترقبها انهيار التهدئة الإقليمية للعودة إلى التصعيد في لبنان والمنطقة، يبقى استهداف الضاحية مؤشراً خطيراً قد يكون بداية مرحلة جديدة من المواجهة، وربما الشرارة الأولى لجولة ثالثة من الحرب.
