لبنان المنهك على طاولات واشنطن: تفاوضٌ بلا “أوراق قوة” أم غطاءٌ سياسي للاستفراد بالجنوب؟
بقلم: محمد غزالة – رئيس تحرير شبكة الزهراني الإخبارية .
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في وقتٍ يدخل فيه لبنان مسارات دبلوماسية معقدة عبر مفاوضات واشنطن، تطفو على السطح علامات استفهام كبرى حول جدوى هذا التفاوض وتوقيته. يذهب لبنان إلى الطاولة منهكاً، مثقلاً بجراحه، ومجرداً من أي غطاء وطني متماسك أو إجماع عربي ودولي فاعل. وبينما تصر الحكومة اللبنانية على أن التفاوض هو “الحل الأفضل” المتاح، يطرح الشارع الجنوبي السؤال المشروق والمؤلم: ما هي النتائج المتوقعة بينما النيران تلتهم الحجر والبشر؟
المفارقة الصادمة: انطلاق التفاوض يرفع منسوب التدمير!
المتتبع للمشهد الميداني يلحظ مفارقة شديدة الخطورة؛ فمنذ أن بدأ لبنان الرسمي الحديث عن مسار تفاوضي، لم يتراجع العدوان الإسرائيلي، بل على العكس تماماً، ارتفع منسوب التصعيد في الجنوب اللبناني بشكل هستيري، وشهدت بلدات وقرى بأكملها عمليات تدمير ممنهجة وقمع بالنار.
هذا الواقع يدفع أبناء الجنوب، الصامدين تحت القذائف، إلى التساؤل المبرر: هل سمحت السياسة الدبلوماسية اللبنانية، بضعفها وتشرذمها، للعدو الصهيوني بالاستمرار في حربه، مستغلاً طاولة المفاوضات كغطاء زمني لتنفيذ مخططاته العسكرية؟ إن نتنياهو يطبق بحذافيرها استراتيجيته القائلة بأن “مَن لم يفهم بالقوة، سيُجبر بقوة أكبر”، محولاً طاولات واشنطن إلى منصة لفرض شروط الاستسلام لا السلام.
لغز التوقيت الإسرائيلي: لماذا سقط طرح بعبدا ونجح الربط الإقليمي؟
تتكشف خلف كواليس هذا الملف قطبٌ مخفية توحي بمدى الارتباط بين الميدان والخرائط الإقليمية والدولية:
- تجاهل الطرح اللبناني الداخلي: عندما أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون عن طرح للتفاوض، واجه الطرح بروداً وتجاهلاً إسرائيلياً كاملاً، حيث رفض الاحتلال تقديم أي تنازلات أو إعطاء وزن للمرجعية الرسمية اللبنانية المنكفئة داخلياً.
- الاستنفار أمام “البند الإيراني“: في المقابل، سارع نتنياهو لفتح مسار التفاوض مع لبنان عندما حاولت طهران فرض “بند لبنان” مباشرة على جدول أعمال مفاوضاتها الخلفية مع واشنطن. يسعى الاحتلال جاداً إلى حصر القضية في إطار لبناني محلي ومكشوف، خوفاً من أي تسوية كبرى (أميركية – إيرانية) قد ترتبط بظلال القمة الأميركية – الصينية ، والتي قد تفرض معادلات لا تشتهي مصالح تل أبيب.
الداخل والخارج: عندما يتساوى التشرذم مع العدوان
أمام هذه المشهدية المعقدة، تبدو الهواجس الشعبية حول وجود “تآمر داخلي” في مكانها ؛ فغياب الرؤية الوطنية الموحدة، والتباين الحاد بين توجهات بعبدا والسرايا الحكومية من جهة والميدان من جهة أخرى، يظهر لبنان بمظهر الجبهة المفككة. هذا التشرذم السياسي يعطي الاحتلال انطباعاً بأن الساحة اللبنانية مكشوفة، مما يجعله يستفرد بالجنوب قصفاً وتهجيراً وتدميراً دون خشية من رد رسمي رادع أو غطاء عربي حاضن
خلاصة القول:
إن التفاوض من موقع الضعف وبلا أوراق قوة وطنية موحدة هو انتحار سياسي. إن دماء الأبرياء في الجنوب تصرخ بأن الكلمة الفصل كانت وستبقى للميدان؛ فهو الوحيد القادر على تعديل موازين القوى. وما لم يتعلم لبنان من أخطاء التاريخ، فإن التصعيد الميداني سيبقى سيد الموقف، ولن تحصد بيروت من مفاوضات واشنطن سوى الوعود السرابية، بينما يدفع الجنوب الغالي من لحمه الحي.
