كتبت ليلى قيس
منذ اعلان وقف إطلاق النار ، لم تنتهي الحرب فعلياً فالمشهد الميداني بقي مفتوحاً على الغارات والاستهدافات اليومية، فيما تحوّلت الإنذارات الإسرائيلية بإخلاء بلدات كاملة إلى المشهد المعتاد. الجنوب لم يهدأ، والسماء لم تفرغ من الطائرات، وشبح الموت بقي يتنقل و لم يبقى محصوراً في القرى الحدودية، فالاستهدافات توسّعت نحو العمق اللبناني، من السعديات إلى الجية والشوف، في رسالة واضحة بأن إسرائيل لا تتعامل مع “وقف إطلاق النار” كمرحلة توقف فيها عملياتها، بل كمرحلة تعيد خلالها تنظيم ضغطها العسكري والسياسي وفق ما يناسب أهدافها.
النار أولاً… ثم التفاوض بشروط إسرائيل
في موازاة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية في واشنطن، تستخدم اسرائيل الميدان كورقة ضغط أساسية على طاولة التفاوض. فكل تصعيد عسكري يترافق مع رسائل سياسية واضحة، عنوانها ” تل أبيب لا تريد فقط ترتيبات أمنية جنوبية، بل تسعى إلى فرض واقع جديد في لبنان”
ما يجري يوحي بأن إسرائيل تحاول التفاوض من موقع المنتصر الذي يفرض شروطه تحت النار. فالغارات لم تتوقف ، ولم تُظهر أي التزام فعلي بمنطق وقف الحرب، بل بدت وكأنها تستخدم الوقت لتكريس معادلة جديدة: ضغط عسكري مستمر مقابل مطالب سياسية تتوسع يوماً بعد يوم
لبنان يفاوض… لكن بأي أوراق ؟
يدخل لبنان إلى هذه المفاوضات وسط مشهد داخلي شديد التعقيد. أزمة سياسية ، انقسام داخلي ، ضغوط خارجية، ووضع اقتصادي و امني هش، عوامل تجعل موقعه التفاوضي ضعيفاً في لحظة حساسة جداً
ومع هذا الواقع، يُطرح ملف سحب سلاح المقاومة كأحد أبرز العناوين المتداولة في الكواليس السياسية، وكأنه المدخل الأساسي لأي تفاهم طويل الأمد.
ولكن كيف يمكن للبنان أن يناقش ملفات بهذا الحجم، فيما هو غير قادر أساساً على انتزاع وقف فعلي للغارات اليومية التي تطال اراضيه؟وهل المطلوب من لبنان تقديم تنازلات سياسية وأمنية رغم استمرار العدوان ؟
دعم للجيش اللبناني ،ام تمهيد لمواجهة داخلية ؟
في ظل هذه التطورات، برزت تصريحات قائد القيادة الوسطى الأميركية التي قال فيها إن هدف دعم الجيش اللبناني هو “مواجهة حزب الله” حيث لا يعود السؤال هنا مرتبطاً فقط بوقف الحرب مع إسرائيل، بل بمستقبل الداخل اللبناني نفسه. فهل تحاول إسرائيل، بدعم أميركي سياسي وعسكري، نقل المواجهة من الحدود إلى الداخل اللبناني؟
الأخطر أن التصعيد الإسرائيلي المتواصل، بالتوازي مع الضغط السياسي والإعلامي على المقاومة، يوحي وكأن هناك محاولة لدفع لبنان نحو انقسام داخلي حاد، وربما نحو اقتتال داخلي يُستكمل فيه ما عجزت إسرائيل عن حسمه عسكرياً خلال المواجهة.
أي مستقبل ينتظر لبنان تحت سقف المفاوضات؟
في لحظةٍ تقف فيها المنطقة كلها على حافة تحوّلات كبرى، لا يبدو أن ما يجري يقتصر على وقف إطلاق نار أو ترتيبات أمنية مؤقتة. فلبنان اليوم أمام مرحلة يُعاد فيها رسم التوازنات السياسية والأمنية تحت ضغط النار والمفاوضات معاً، فيما الإسرائيلي يحاول استثمار الحرب لفرض واقع جديد لم يتمكن من فرضه بالكامل بالميدان.
وبين غارات لا تتوقف، وضغوط تتصاعد، وحديث متزايد عن سلاح المقاومة ودور الجيش وشكل المرحلة المقبلة، يبقى الخوف الأكبر أن يتحول لبنان من ساحة مواجهة مع العدو… إلى ساحة صراع داخلي مفتوح يُدار من الخارج.
و السؤال اليوم : أي لبنان سيخرج من تحت هذا الركام السياسي والعسكري… ولصالح من تُرسم المرحلة المقبلة؟
