في ظل ما يُسمّى بـ“الهدنة” الممددة لـ45 يوماً، يزداد سؤال اللبنانيين حدةً يوماً بعد يوم: كيف يمكن الحديث عن تهدئة، بينما يستمر الدمار والاستهداف، ويسقط الأبرياء بشكل متكرر في الجنوب والزهراني وصور؟
بالنسبة لكثير من الناس، لم تعد المسألة مجرد اختلاف في التعريف السياسي أو الدبلوماسي في أروقة واشنطن، بل شعور بأن الواقع على الأرض لا يعكس أي استقرار حقيقي.
فبدل أن تكون التهدئة وقفاً فعلياً للعنف وحماية للمدنيين، يرى المواطن أن ما يجري يترجم إلى استمرار للقتل وتفجير البيوت والمعاناة، بينما يبقى هو الخاسر الأكبر في كل يوم يمر.
شريعة الغاب الدبلوماسية وغياب الحسابات الإنسانية
ويبرز هنا شعور عميق بالظلم؛ كيف تُطرح مصطلحات سياسية فضفاضة عن “الهدوء” و“الاستقرار”، بينما الواقع اليومي في القرى الأمامية يعكس صورة مختلفة تماماً؟ ولماذا تبدو حياة الناس وأمنهم وكأنها خارج الحساب في أي معادلة سياسية أو أمنية تُدار في البلاد؟
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تتفاقم المعاناة المعيشية بشكل خطير. فهناك عائلات نازحة تعيش على الحد الأدنى، بلا استقرار ولا مصدر دخل ثابت، تستنزف كل ما تملك من مدخرات لتأمين أساسيات الحياة. يضاف إلى ذلك أزمة أولاد خارج المدارس أو في تعليم متعثر، وعائلات عاجزة عن دفع الإيجارات الشهرية الجائرة، وضغط اقتصادي يزداد يوماً بعد يوم مع فواتير وخدمات أصبحت فوق القدرة، ما يجعل الحياة اليومية نفسها عبئاً ثقيلاً لا يقل قسوة عن الواقع الأمني والعسكري .
أين دور الدولة؟
هذا الواقع يطرح سؤالاً جوهرياً لا يمكن لتاريخ لبنان تجاهله: هل يمكن اعتبار ما يجري “هدنة” فعلاً، بينما يستمر الألم والدمار على الأرض؟ وأين يقف دور الدولة ومؤسساتها أمام هذا المشهد المعقد؟ خصوصاً وأن الجنوب ليس منطقة هامشية أو تفصيلاً عابراً، بل هو جزء أساسي وأصيل من لبنان لا يمكن فصله عنه أو التعامل معه كاستثناء في معايير الأمان.
وفي هذا السياق، اتجهت الدولة إلى خيار الحوار والتفاوض مع الأطراف المعنية برعاية أميركية، رغم رفض شريحة واسعة من اللبنانيين ومكونات المقاومة لهذا المسار لما يحمله من تنازلات. ومع ذلك، أصبح هذا الخيار واقعاً سياسياً قائماً، فرض نفسه في ظل التعقيدات الداخلية والخارجية. وبين الرفض والقبول، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مرحلة بالغة الدقة، بانتظار ما ستُظهره الأيام المقبلة على الأرض، وما إذا كان هذا المسار سيقود إلى حماية حقيقية للمدنيين واستقرار فعلي يشمل كل لبنان، من شماله إلى جنوبه، دون استثناء أو تفاوت في الأمان والحق.
