الشطرنج الصيني.. “براغماتية حذرة” مع ترامب وعناق استراتيجي مع بوتين.
كتبت المحامي سميح بركات
في مشهدٍ يختصر التحولات الجيوسياسية المتسارعة أثبتت بكين أنها لا تُدير سياساتها بالعواطف بل بمعادلات رياضية دقيقة تعتمد سياسة “قضم النفوذ التدريجي” لتأسيس نظام متعدد الأقطاب وتفكيك الهيمنة الأمريكية وقد تجلى هذا الحراك الدبلوماسي الاستثنائي في استقبالها المتعاقب للرئيسين الأمريكي والروسي حيث برز الفارق الشاسع في إدارة العلاقات الصينية مع القطبين إذ اتسمت اللقاءات مع دونالد ترامب بلغة “الندية الحذرة” وإدارة الأزمات خلف الأبواب المغلقة وتأكيد الخطوط الحمراء حول تايوان وإيران مقابل صفقات تجارية ملموسة تحفظ ماء وجه الجانبين.
وعلى النقيض من ذلك تماماً جاءت زيارة فلاديمير بوتين لتعكس تحالفاً استراتيجياً وجودياً ورابطاً دافئاً وتنسيقاً أمنياً وعسكرياً شاملاً لحماية عمقهما الجيوسياسي المشترك إدراكاً من التنين الصيني بأن قوة روسيا النووية هي خط الدفاع الأول في وجه التمدد الغربي.
وفي هذا السياق المتصل تتحرك الصين بهدوء لبناء منظومة مالية موازية تدعم كيانات “بريكس” والتبادل بالعملات المحلية كاليوان والروبل دون اللجوء إلى صدام عسكري مباشر قد يعطل سلاسل الإمداد نحو الأسواق الغربية مستخدمة قوتها الناعمة كشريك إنمائي موثوق يحترم سيادة الدول بعيداً عن الاشتراطات الأمريكية مما يمنحها جاذبية متزايدة لدى دول الجنوب العالمي.
وعلى صعيدٍ آخر ينعكس هذا التوازن الذكي مباشرة على ملفات الشرق الأوسط وإيران حيث حذرت بكين واشنطن من الغرق في مستنقع بري إيراني يفجر أمن الطاقة العالمي مع إبداء مرونة لضمان الملاحة في مضيق هرمز.
تأسيساً على ما تقدم وبالموازاة مع هذه الرؤية تؤكد بكين بالتنسيق مع موسكو رفضها القاطع للحرب وللعقوبات الأمريكية الأحادية ضد طهران التي لا تمثل مجرد مورد رئيسي للنفط بأسعار تفضيلية بل تشكل ممرًا برياً حيوياً لمشروع “الحزام والطريق” وورقة ضغط تضمن استنزاف واشنطن الغارقة في حروب إسرائيل في الشرق الأوسط لمنعها من التفرغ لجبهة بحر الصين الجنوبي أو ملف تايوان الحساس الأمر الذي يرسخ في نهاية المطاف حقيقة مفادها أن أدوات الحصار التقليدية قد فقدت فاعليتها أمام تضامن الأقطاب الجديدة التي تقوده بكين كمركز دبلوماسي أثقل يدير رقعة الشطرنج الدولية بحذر لضمان صعوده الحتمي نحو قمة النظام العالمي الجديد.
