ما هي معايير الانتصار الحقيقية في حرب المحاور بين إيران وأمريكا ولبنان وإسرائيل؟
كتب رئيس تحرير شبكة الزهراني الإخبارية محمد غزالة :
تدور في الصالونات السياسية والأوساط الإعلامية نقاشات واسعة، وسجالات حامية الوطيس بين مؤيدي المحاور والدول المشاركة في الحرب؛ بين المحور الإيراني – الأميركي من جهة، ومحور المقاومة في لبنان والعدو الإسرائيلي من جهة أخرى.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يشغل بال الرأي العام اليوم هو: كيف نحدد المنتصر والخاسر في هذه المواجهة التاريخية؟ وللوصول إلى نتائج علمية دقيقة وواضحة بعيداً عن لغة العواطف والبروباغندا التوجيهية، لا بد لنا من العودة إلى الأهداف المعلنة وغير المعلنة التي قامت على أساسها هذه الحرب، ومقارنتها بالواقع المفروض على الأرض.
ومن حقق أهدافه، فهو الذي يحق له رفع راية النصر.
الابتزاز الأميركي وسقوط العناوين الكبرى
لقد شنت الولايات المتحدة الأميركية حرباً ضروساً وحصاراً أمنياً واقتصادياً خانقاً على الجمهورية الإسلامية في إيران، رافعةً عناوين وشعارات بالغة الضخامة، وفي مقدمتها إسقاط النظام الإيراني، ومنع طهران بشكل مطلق من امتلاك سلاح أو قدرات نووية، وصولاً إلى معركة السيطرة على مضيق هرمز وإقرار آلية تشغيله وفرض الوصاية عليه.
في المقابل، كانت الإستراتيجية الإيرانية واضحة وثابتة؛ الدفاع المستميت عن النظام، والتمسك بالحق الشرعي في امتلاك التكنولوجيا والملف النووي للأغراض السلمية، معتبرة أن مضيق هرمز هو البعد الإستراتيجي والجغرافي لحربها وحقها السيادي المطلق في إدارته والسيطرة عليه.
اليوم، ومع بلوغ المفاوضات الإقليمية مراحلها الحاسمة عبر مذكرة التفاهم التي تلت الوساطة الباكستانية والقطرية، تظهر معايير الربح والخسارة؛ فترحيل الملف النووي الإيراني إلى مرحلة لاحقة، مع الإفراج الفوري عن 25 مليار دولار من الأصول المجمدة، وإعادة فتح مضيق هرمز كشريان حيوي، يعني بالدليل القاطع أن واشنطن تراجعت عن شعار “إسقاط النظام” ونزعت فتيل المواجهة الشاملة صاغرة، مما يسجل نقطة انتصار إستراتيجي لصالح صمود طهران.
تل أبيب تحت مقصلة الفشل.. وحزب الله يفرض معادلاته
أما على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية، فقد شنت إسرائيل حربها الهمجية، وجرفت البلدات، ودمرت المؤسسات (كما حصل ليلة أمس في النبطية وحاروف)، واضعةً لنفسها أهدافاً سقفها السماء؛ أبرزها التصفية الشاملة لحزب الله، وإنهاء سلاحه وتفكيك بنيته العسكرية، وتشكيل حزام أمني جغرافي عازل في عمق الجنوب يضمن حماية المستوطنات وإعادة مستوطني الجليل بكامل الأمان.
وفي المقابل، دخل حزب الله هذا الصراع بعناوين واضحة لا لبس فيها: إسناد غزة ومحور المقاومة، والدفاع عن لبنان الذي انتهكت إسرائيل سيادته وحدوده براً وبحراً وجواً.
وعند النظر إلى ميزان النتائج؛ نجد أن جيش الاحتلال الإسرائيلي، ورغم التدمير وجنون القصف، عجز عجزاً تاماً عن تصفية المقاومة أو نزع لتر واحد من سلاحها، ولم يتمكن من إرساء الأمان في مستوطنات الشمال التي تحولت إلى مدن شبح.
في المقابل، فإن بقاء المقاومة بكامل جهوزيتها وقدرتها الصاروخية على فرض معادلات الردع الميداني حتى الدقيقة الأخيرة، وتحقيق هدف إسناد المحور والدفاع عن بقاء النسيج اللبناني، هو المعيار الحقيقي للانتصار بمفهوم حروب العصابات والمقاومات.
إن ثبات عصب التحرير وحمايته في وجه الآلة الصهيونية يسقط التمنيات الإسرائيلية بالضربة القاضية.
خلاصة القول، عندما تنتهي الحرب وتصمت المدافع، فإن القراءة التاريخية المنصفة لن تنظر إلى حجم الغبار والدمار، بل ستنظر إلى “دفاتر الأهداف”؛ ومن هنا يتبين أن المحور الذي أراد إلغاء الآخرين وسحقهم قد فشل، وأن المحور الذي قاتل دفاعاً عن وجوده وسيادته وحقوقه الاقتصادية والجغرافية قد خرج منتصراً وثابتاً في أرضه.
