| شادي منصور |
لم يكن ما جرى مساء أمس على شاشة “الجديد” بين الإعلامي جورج صليبي والنائب حسن فضل الله مجرد تفصيل عابر في سجال تلفزيوني اعتيادي، بل كان لحظة كاشفة لمسار خطير يتسلل تدريجياً إلى بعض وسائل الإعلام اللبنانية تحت عناوين المهنية والانفتاح و”حق المشاهد في المعرفة”.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
عندما قال جورج صليبي لضيفه: “المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي موجّه لك سؤالاً”، لم يكن الأمر مجرد سؤال صحفي أو مداخلة تقنية. المسألة تتجاوز الشكل إلى الجوهر. فلبنان، رغم كل الأزمات والانقسامات، ما زال قانونياً في حالة عداء مع إسرائيل، وما زالت القوانين اللبنانية تجرّم أشكالاً متعددة من التواصل مع مؤسسات العدو وأفراده. لذلك بدا رفض النائب حسن فضل الله سماع السؤال موقفاً منسجماً مع هذا الواقع القانوني والسياسي.
الأخطر من الحادثة نفسها هو أنها لم تأتِ من فراغ. فخلال الفترة الأخيرة شهد اللبنانيون سلسلة من الممارسات الإعلامية التي تثير علامات استفهام كبيرة. قبل أيام فقط، استضافت إحدى المحطات صحفياً إسرائيلياً خدم سابقاً في الوحدة 8200، وهي إحدى أبرز وحدات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وأكثرها ارتباطاً بعمليات التجسس والحروب الإلكترونية ضد الدول العربية. وقبل ذلك، شاهد اللبنانيون برامج تستضيف أبناء قادة وعملاء ما كان يسمى “جيش لبنان الجنوبي”، في محاولات متكررة لتقديم روايات تبييضية لمرحلة ارتبطت في الذاكرة الوطنية بالاحتلال والتعاون معه.
المشكلة هنا ليست في استضافة رأي مخالف أو فتح نقاش سياسي. الإعلام الحقيقي لا يخشى النقاش. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين النقاش وبين تحويل منصات لبنانية إلى منابر تمنح العدو فرصة مخاطبة اللبنانيين مباشرة، أو إعادة تسويق شخصيات ومشاريع ارتبطت تاريخياً بالاحتلال الإسرائيلي.
يبدو أن بعض المؤسسات الإعلامية باتت تتعامل مع إسرائيل كأنها مجرد “طرف سياسي آخر” في المنطقة، متجاهلة أن هذا الكيان ما زال يحتل أراضٍ عربية، ويشن حروباً واعتداءات متواصلة، ويرتكب جرائم موثقة بحق الفلسطينيين واللبنانيين. والأسوأ أن هذا التحول يجري أحياناً تحت ستار المهنية الصحفية، فيما المهنية الحقيقية لا تعني محو الذاكرة الوطنية ولا تجاهل القوانين السارية.
إن ما قاله جورج صليبي لم يكن زلة لسان عابرة بقدر ما كان انعكاساً لمناخ إعلامي آخذ في التمدد، مناخ يحاول كسر المحرمات السياسية والقانونية المرتبطة بالعدو الإسرائيلي خطوة بعد خطوة. واليوم، قبل الغد، يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوا: إلى أين تتجه بعض وسائل الإعلام؟ وهل تحولت المنافسة على الإثارة ونسب المشاهدة إلى باب لتجاوز الثوابت الوطنية والقانونية؟
في بلد دفع آلاف الشهداء خلال عقود من الصراع مع الكيان الغاصب، لا يمكن التعامل مع هذه الوقائع بخفة أو اعتبارها مجرد تفاصيل مهنية. فالإعلام ليس مجرد شاشة، بل هو أيضاً مسؤولية وطنية وأخلاقية. وعندما تضيع هذه البوصلة، تصبح السقطة أكبر من مذيع وأخطر من برنامج، لأنها تمس الوعي الجماعي والذاكرة الوطنية معاً.
