تفكيك السردية: لماذا يُعتبر “التهديد النووي الإيراني” لإسرائيل مستحيلاً؟
بقلم المحامي سميح بركات
تحظى سردية التهديد النووي الإيراني لإسرائيل بمساحة واسعة في أروقة التحليل او السياسي والعسكري، إلا أن وضع هذه السردية في سياقها التاريخي يكشف أنها ليست سوى “كذبة تاريخية جوفاء” تم تسويقها على مدار عقود كفزاعة سياسية. إن إخضاع هذه السردية للمنطق الاستراتيجي، والفيزيائي، والجيوسياسي يكشف أن احتمالية حدوث هجوم نووي مباشر تُعتبر ضئيلة جداً وغير منطقية، وتتخطى في أبعادها مجرد الحسابات العسكرية التقليدية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تبدأ عدم واقعية هذه السردية من الجغرافيا ذاتها، حيث يتجلى بوضوح مفهوم “الانتحار البيئي”. فالكيان الإسرائيلي يتميز بضيق جغرافي شديد، حيث تبلغ مساحة فلسطين التاريخية كاملة نحو 27,000 كيلومتر مربع فقط، وتمتد بطول يصل إلى حوالي 420 كيلومتراً، بينما يتراوح عرضها في أضيق نقطة (قرب نتانيا) بين 15 إلى 20 كيلومتراً فقط، ولا يتجاوز 115 كيلومتراً في أوسع نقاطه جنوباً. أما العاصمة الاقتصادية والسياسية المستهدفة مفترضاً، “تل أبيب” (تجمع غوش دان)، فلا تتعدى مساحتها الإدارية حوالي 52 كيلومتراً مربعاً.
هذا التداخل المعقد والضيق الجغرافي يعنيان أن أي تفجير نووي، مهما كانت قوته منخفضة، سينعكس دماراً فورياً ومباشراً على المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن دول الجوار كالأردن ومصر وجنوب لبنان. يضاف إلى ذلك أن الغبار الذري والإشعاعات لا تعترف بالحدود السياسية، وبما أن الرياح السائدة في المنطقة تتحرك غالباً من الغرب إلى الشرق، فإن هذه الملوثات الفتاكة ستنتقل مباشرة لتصيب عمق المنطقة وصولاً إلى إيران نفسها، فأين ستكون هذه الضربة المزعومة في الشمال ،في الوسط او الجنوب…كلها خيارات مستحيلة .
إلى جانب هذه الحسابات المادية، تبرز الأبعاد العقائدية والسياسية كعائق حاسم، فالقدس تمثل رمزية دينية وقومية قصوى في الأيديولوجيا الإيرانية، وأي هجوم نووي سيعني حتماً تدمير المقدسات الإسلامية وفي مقدمتها المسجد الأقصى، وهو ما ينسف شرعية النظام الإيراني كلياً أمام العالم الإسلامي. وما يؤكد هذا البُعد الأيديولوجي والسياسي، وجود فتوى دينية رسمية وحاسمة أصدرها المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية في إيران ( الشهيد السيد علي خامنئي) تُحرّم بشكل قاطع إنتاج وتخزين واستخدام أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية باعتبارها تتنافى مع أحكام الإسلام، وهي الفتوى التي ما زالت سارية وتشكل الإطار المعلن للسياسة الدفاعية الإيرانية حتى تاريخه.
من الناحية التقنية والعلمية، تفضح لغة الأرقام والزمن زيف التهويل الإسرائيلي. فمنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي (أي قبل ما يقارب 35 عاماً)، والمسؤولون الإسرائيليون يكررون تصريحات تزعم أن “إيران على بُعد أشهر أو سنوات قليلة جداً من امتلاك القنبلة النووية واستهداف إسرائيل”. وهنا يبرز التناقض التقني: لو أرادت إيران فعلاً تصنيع قنبلة نووية، لكان تطورها العلمي والتكنولوجي الهائل، وامتلاكها لعلماء فيزياء من النخبة، وبنيتها التحتية المتقدمة لإنتاج الطرد المركزي وتخصيب اليورانيوم، قد سمح لها بتحقيق ذلك منذ سنوات طويلة بالمعايير الزمنية المعتادة للمشاريع النووية.
بناءً على هذه المعطيات، يصبح تضخيم هذه السردية من الجانب الإسرائيلي أداة توظيف سياسي ودبلوماسي بامتياز، تهدف إلى حشد الدعم الغربي المستمر عبر تصوير التهديد كخطر “وجودي”، ومنح غطاء شرعي للضربات الاستباقية ضد المنشآت الإيرانية، فضلاً عن إبقاء الضغط الاقتصادي الدولي على طهران. وفي المحصلة، يظل السلاح النووي في الحقائق الفيزيائية، الجغرافية، والجيوسياسية خياراً انتحارياً خارجاً عن حسابات البراغماتية السياسية.
