عام على ولايتها الجديدة: بلدية صيدا بين طموحات الإنماء وتحديات الحرب والنزوح!
حنان نداف- الوكالة الوطنية للإعلام
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وطنية – لم يكن العام الأول لولاية المجلس البلدي الجديد في صيدا عاماً عادياً فالمجلس الذي تسلم مهامه قبل عام وسط آمال كبيرة بإطلاق مشاريع إنمائية وتنظيمية تعيد للمدينة دورها السياحي والاقتصادي وجد نفسه بعد أشهر قليلة أمام واقع مختلف تماماً فرضته الحرب الإسرائيلية المستمرة وتداعياتها الثقيلة على المدينة.
مع انطلاق عمل المجلس البلدي برئاسة المهندس مصطفى حجازي بدت الأولويات واضحة: معالجة ملفات مزمنة، تنظيم قطاعات حيوية، وتفعيل العمل البلدي عبر لجان متخصصة تناولت قضايا المولدات الكهربائية والمخالفات والنشاطات والشؤون الصحية والرياضية وغيرها.. غير أن تطورات الميدان سرعان ما فرضت أجندة جديدة لم تكن في الحسبان.
فمع تجدد الحرب مطلع اذار الماضي واتساع رقعة الاعتداءات الإسرائيلية تحولت صيدا إلى واحدة من أبرز المدن المستقبلة للنازحين من قرى وبلدات الجنوب والنبطية وأمام موجات النزوح المتتالية وجدت البلدية نفسها في مواجهة أزمة إنسانية وخدماتية معقدة تجاوزت بكثير حدود العمل البلدي التقليدي.
منذ اللحظات الأولى فُعّلت خلية إدارة مخاطر الكوارث والأزمات في البلدية وتحولت إلى خلية عمل دائمة لمتابعة أوضاع النازحين داخل مراكز الإيواء وخارجها والتنسيق مع الجمعيات والمؤسسات الدولية والأهلية لتأمين الاحتياجات الأساسية ومع استمرار الحرب لأشهر طويلة لم يعد النزوح محصوراً بمراكز الإيواء بل امتد إلى المنازل والأحياء والشوارع ما أوجد واقعاً سكانياً جديداً فرض ضغوطاً إضافية على مختلف المرافق والخدمات.
ولم تكن صيدا بعيدة عن تداعيات الحرب الأمنية أيضاً إذ تعرضت لاعتداءات إسرائيلية مباشرة أكثر من مرة فيما استمرت أعداد الوافدين إلى المدينة بالارتفاع مع اتساع دائرة الإنذارات والإخلاءات في مناطق الجنوب وصلت إلى قرى وبلدات في قضاء صيدا .
اليوم وبعد مرور عام على انطلاق الولاية البلدية تبدو المدينة أمام تحديات متشابكة: أزمة سير خانقة تكاد تصبح جزءاً من الحياة اليومية، ضغط متزايد على شبكات المياه والكهرباء، أزمة نفايات تتفاقم مع ازدياد الكثافة السكانية، إضافة إلى مخالفات وبسطات بيع انتشرت في عدد من المواقع العامة نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت كثيراً من النازحين و كذلك اهل المدينة للبحث عن مصادر دخل تؤمن الحد الأدنى من مقومات العيش.
وفي خضم هذه المشكلات تتجه أصابع الانتقاد نحو البلدية باعتبارها الجهة الأقرب إلى المواطنين إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل تستطيع بلدية بمفردها معالجة تداعيات حرب مفتوحة وأزمة نزوح بهذا الحجم؟
فالواقع أن الملفات التي تواجهها المدينة اليوم تتجاوز الإمكانات البلدية المتاحة وتتطلب شراكة فعلية بين مختلف الجهات الرسمية والأمنية والسياسية والهيئات الدولية المعنية من هنا يمكن فهم الدعوة التي وجهتها البلدية مؤخراً لعقد اجتماع موسع ضم نواب المدينة وفعالياتها بهدف البحث في سبل مواجهة التحديات المتفاقمة وتأمين الدعم اللازم للمدينة وتعزيز التنسيق في الملفات الخدماتية والأمنية والاجتماعية.
وتكتسب هذه الجهود أهمية إضافية مع اقتراب مناسبة عاشوراء، في ظل الحرص على الحفاظ على الاستقرار الأمني والاجتماعي ومنع أي توترات أو إشكالات قد تنجم عن حالة الاحتقان والضغط التي تعيشها المدينة.
حجازي:” نواجه ظروفاً استثنائية والمرحلة تتطلب تضافر جهود الجميع”
وفي تقييمه للسنة الأولى من عمل المجلس البلدي أكد رئيس بلدية صيدا المهندس مصطفى حجازي أن البلدية تسلمت مسؤولياتها في ظروف استثنائية فرضتها الحرب وتداعيات النزوح ما أدى إلى تغيير الأولويات وتأجيل عدد من المشاريع الإنمائية التي كانت موضوعة على سكة التنفيذ.
وأوضح أن المدينة تواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة استضافتها أعداداً كبيرة من النازحين ما يقارب المئة الف نازح الأمر الذي انعكس على الخدمات العامة ومراكز الإيواء والبنية التحتية والطرقات فضلاً عن الضغط الاجتماعي والنفسي الذي تعيشه المدينة.. وأشار إلى أن المساعدات الإنسانية تراجعت بنسبة كبيرة مقارنة بالمراحل السابقة ما وضع البلديات والجمعيات المحلية أمام تحديات إضافية في تأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين واستمرار الخدمات.
وأكد حجازي انه رغم هذه الظروف واصلت البلدية العمل على ملفاتها الخدماتية فأطلقت للمرة الأولى منذ عام 2018 عقداً متكاملاً لكنس المدينة كما أعدت دفاتر شروط لمشاريع التشحيل والزراعة ورش المبيدات وصيانة الأرصفة وتعبيد الطرقات معتبراً أن تحسين مستوى الخدمات اليومية يشكل أولوية في ظل الظروف الراهنة.
وأشار إلى أن الحرب أدت إلى تجميد أو تأخير عدد من المشاريع الاستثمارية والتنموية الكبرى التي كانت البلدية تعمل عليها ومنها مشاريع مرتبطة بالواجهة البحرية وتطوير سوق الخضار ومشاريع سياحية واستثمارية يفترض أن تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي واستقطاب الاستثمارات وخلق فرص عمل جديدة.. كما لفت إلى وجود مشاريع شق طرقات في المدينة أُنجزت دراساتها بالتعاون مع وزارة الأشغال العامة إلا أن الظروف الاستثنائية وتوقف التمويل الحكومي حالا دون تنفيذها في المواعيد المحددة.
وفي الشق الإداري أوضح حجازي أن البلدية تعمل على تحديث هيكليتها الإدارية بالتعاون مع جهات دولية متخصصة بما يواكب متطلبات الإدارة الحديثة ويتيح استحداث اختصاصات جديدة تتعلق بإدارة الأزمات والهندسة البيئية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي إضافة إلى معالجة النقص الكبير في الكادر الوظيفي الذي تعاني منه البلدية منذ سنوات.
أما في ملف النفايات فأشار إلى أن البلدية حققت تقدماً على مستوى الرقابة والإشراف على معمل معالجة النفايات بالتعاون مع وزارة البيئة من خلال اعتماد آليات جديدة للتدقيق والمراقبة وتحسين الأداء التشغيلي للمعمل مؤكداً في الوقت نفسه أن أزمة النفايات تبقى أزمة وطنية تحتاج إلى حلول شاملة على مستوى الدولة.
وعن الاجتماع الموسع الذي عقد مؤخراً في بلدية صيدا وضم نواب المدينة وفعالياتها السياسية أوضح حجازي أن الدعوة جاءت نتيجة الظروف الاستثنائية التي تمر بها المدينة والضغوط المتزايدة الناتجة عن النزوح وتداعيات الحرب إضافة إلى تنامي منسوب التوتر والقلق لدى المواطنين.
وقال إن الهدف الأساسي من الاجتماع كان توحيد الموقف الصيداوي حول مجموعة من القضايا الملحة وفي مقدمتها الحفاظ على السلم الأهلي ودعم المدينة في مواجهة الأعباء المتزايدة ورفع الصوت أمام الدولة اللبنانية والمؤسسات المعنية لتأمين الدعم اللازم لصيدا التي باتت تتحمل أعباءً تفوق قدراتها وإمكاناتها.
وأضاف أن المجتمعين ناقشوا واقع النزوح وانعكاساته على الخدمات والبنية التحتية والواقع الاقتصادي والاجتماعي كما جرى التداول في السيناريوهات المحتملة في حال توسعت دائرة التوترات الأمنية أو استمرت الأزمة لفترة طويلة وضرورة وجود خطط طوارئ واضحة تضمن استمرارية الخدمات الأساسية وتوفير الاحتياجات الضرورية للسكان والنازحين على حد سواء.
وأكد حجازي أن الاجتماع عكس مستوى عالياً من التوافق بين مختلف القوى السياسية والفعاليات المحلية معتبراً أن هذا التلاقي يشكل رسالة طمأنة لأبناء المدينة ويؤكد وجود إرادة مشتركة لحماية صيدا ومنع أي محاولات لإثارة الانقسامات أو التوترات بين مكونات المجتمع.
وفيما يتعلق بملف المخالفات شدد حجازي على أن المجلس البلدي اتخذ منذ بداية ولايته قراراً واضحاً بعدم تشريع أي مخالفة أو التهاون مع التعديات على الأملاك العامة والطرقات والأرصفة. وأكد أن البلدية تواصل حملات إزالة المخالفات بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والجهات المعنية رغم الصعوبات الناتجة عن الظروف الاستثنائية التي تمر بها المدينة.
وأوضح أن معالجة هذا الملف تتطلب توازناً دقيقاً بين تطبيق القانون ومراعاة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تعيشها شريحة واسعة من المواطنين والنازحين مشيراً إلى أن البلدية تعتمد مقاربة تقوم على التنظيم والتدرج في المعالجة مع الحفاظ على حق المواطنين في استخدام الأملاك العامة وعدم السماح بتحويل المخالفات إلى أمر واقع.
وختم حجازي بالتأكيد أن صيدا ستبقى مدينة الاحتضان والتضامن الإنساني لكنها في المقابل تحتاج إلى دعم استثنائي من الدولة اللبنانية والمؤسسات الرسمية والدولية بما يتناسب مع حجم الأعباء التي تتحملها مشدداً على أن حماية السلم الأهلي وتحسين الخدمات واستكمال المشاريع الإنمائية تبقى في صدارة أولويات المرحلة المقبلة .
إذن قد يختلف أبناء صيدا في تقييم أداء البلدية خلال عامها الأول وقد تتباين الآراء حول قدرتها على معالجة المشكلات المتراكمة إلا أن الثابت أن النصف الثاني من هذا العام لم يكن عاماً للإنماء بقدر ما كان عاماً لإدارة أزمة مفتوحة فرضتها الحرب بكل أبعادها الإنسانية والخدماتية والأمنية.
وبين طموحات التطوير التي انطلقت مع بداية الولاية ومتطلبات إدارة الأزمات التي فرضتها الظروف الاستثنائية تحاول البلدية العمل ضمن إمكانات محدودة وواقع شديد التعقيد ويبقى الرهان على تكامل الأدوار بين البلدية والدولة والهيئات الداعمة والفعاليات المحلية بانتظار أن تضع الحرب أوزارها فتتمكن صيدا من استعادة أولوياتها الطبيعية والعودة إلى مسار الإنماء الذي كان عنوان انطلاقة هذا المجلس البلدي .
