من المنصوري إلى النبطية… وإلى أين يأخذ التصعيد لبنان؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لم يعد السؤال في الجنوب اللبناني اليوم: ماذا حدث؟ بل أصبح أكثر إلحاحًا: ماذا بعد؟
بعد التفجير الضخم الذي استهدف منطقة علي الطاهر، وما رافقه من عمليات عسكرية وتفجيرات في عدد من البلدات الجنوبية، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد يتجاوز حدود حادثة أمنية عابرة، ويفتح الباب أمام أسئلة خطيرة حول حدود التصعيد ومداه، وحول قدرة الدولة اللبنانية على حماية أهلها ووقف الانتهاكات المتواصلة.
فما جرى في علي الطاهر لم يكن تفجيرًا عاديًا. إسرائيل أعلنت أنها دمّرت بنية تحتية تحت الأرض في المنطقة، فيما شعر دوي الانفجار وارتداداته في النبطية ومحيطها. والأخطر أن إسرائيل أعلنت أنها ستبقي قواتها في المنطقة التي تعتبرها منطقة أمنية.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
إذا كان علي الطاهر قد وصل إلى هذا الحد، فماذا بعد علي الطاهر؟
وإذا كانت المنصوري، التي شهدت في الفترة الماضية عمليات استهداف وتفجير لمنازل ومنشآت، قد أصبحت نموذجًا لما يجري في القرى الجنوبية، فهل نحن أمام مسار يتوسع تدريجيًا باتجاه مناطق جديدة؟
خلال الأيام الأخيرة، لم يعد التصعيد محصورًا في نقاط قريبة من الحدود. فقد شهد قضاء النبطية ومحيطه ضربات دامية، بينها كفر رمان، كما استمرت العمليات العسكرية في مناطق جنوبية مختلفة، وسط تحذيرات لبنانية من خطورة التصعيد.
وفي المنصوري، يعيش الأهالي مشهدًا أكثر قسوة: منازل تُدمّر، وأملاك تُستهدف، وأهالٍ نازحون يتابعون ما يحدث في بلداتهم من أماكن قريبة بعدما فقدوا القدرة على العودة إلى بيوتهم.
من الجنوب إلى النبطية… هل تتوسع الدائرة؟
السؤال الذي يفرض نفسه ليس بهدف إثارة الهلع، وإنما لفهم الاتجاه:
هل نحن أمام محاولة لتوسيع المنطقة العازلة تدريجيًا؟ أم أن ما يجري هو ضغط عسكري وسياسي لفرض وقائع جديدة قبل استكمال المفاوضات؟
لا يمكن لأحد أن يجزم اليوم بأن التصعيد سيتجه حتمًا نحو النبطية أو أبعد منها، لكن الوقائع على الأرض تجعل هذا القلق مفهومًا، خصوصًا مع استمرار الضربات في محيط النبطية، ومع إعلان إسرائيل تمسكها بمواقع داخل الأراضي اللبنانية.
وهنا تكمن الخطورة: عندما تصبح القرى والبلدات اللبنانية مجرد أوراق في معادلة عسكرية وسياسية، يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف.
وماذا عن التهديد بالوصول إلى بيروت؟
في موازاة التصعيد الميداني، تظهر تصريحات سياسية وإعلامية تتحدث عن إمكان توسيع العمليات وصولًا إلى بيروت، إضافة إلى تصريحات منسوبة إلى شخصيات إسرائيلية حول استهداف منازل في الضاحية الجنوبية.
هذه التصريحات، مهما كان مصدرها، لا يجوز التعامل معها وكأنها قدر محتوم، لكنها في الوقت نفسه ليست أمرًا يمكن تجاهله.
فالتهديد بتدمير الأحياء السكنية أو استهداف البيوت ليس مجرد رسالة سياسية عندما تكون المنطقة قد شهدت بالفعل تدميرًا واسعًا لمنازل المدنيين.
ولهذا فإن السؤال لا يجب أن يكون فقط: هل سيصل التصعيد إلى بيروت؟
بل يجب أن يكون:
من يضع الحدود أمام هذا التصعيد؟ ومن يحمي المدنيين إذا قرر الطرف المعتدي توسيع نطاق عملياته؟
أين الدولة اللبنانية؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.
ماذا تستطيع الدولة اللبنانية أن تفعل أمام مشهد يتوسع يومًا بعد يوم؟
الرئيس جوزاف عون زار النبطية اليوم السبت، برفقة مسؤولين أمنيين، في خطوة حملت رسالة واضحة حول حضور الدولة والجيش وطمأنة الأهالي، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من عمليات إسرائيلية جديدة.
كما أن الموقف اللبناني الرسمي وصف التصعيد بأنه خطير، وطالب المجتمع الدولي والولايات المتحدة بالتدخل لوقف الاعتداءات.
لكن المواطن الجنوبي يريد أكثر من البيانات.
يريد أن يعرف:
ماذا تستطيع الدولة أن تفعل؟
ماذا ستفعل لحماية القرى؟
ماذا ستفعل لمنع تحويل الجنوب إلى منطقة مفتوحة للعمليات العسكرية؟
وماذا ستفعل إذا اتسعت دائرة الاستهداف؟
الدولة أمام امتحان صعب، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا ودبلوماسيًا وإنسانيًا.
لبنان لا يحتمل حربًا جديدة بلا نهاية
الأخطر من التفجير نفسه هو أن يتحول التفجير إلى قاعدة جديدة.
أن يصبح تدمير منزل أمرًا عاديًا، وإخلاء قرية أمرًا عاديًا، وبقاء الأهالي نازحين أمرًا عاديًا، وأن تتحول فكرة «المنطقة الأمنية» إلى واقع دائم داخل الأراضي اللبنانية.
وهنا يجب أن يكون الموقف اللبناني واضحًا:
الأرض اللبنانية ليست منطقة مفتوحة.
والقرى اللبنانية ليست ساحات عسكرية.
والمدنيون ليسوا أهدافًا تفاوضية.
أما الحديث عن الوصول إلى بيروت أو توسيع نطاق الضربات، فيجب ألا يتحول إلى نبوءة تزرع الخوف بين اللبنانيين، بل إلى إنذار سياسي ودبلوماسي يستوجب تحركًا عاجلًا قبل أن يصبح التهديد واقعًا.
السؤال الأخير: ماذا بعد؟
بعد علي الطاهر، السؤال ليس فقط ماذا ستفعل إسرائيل.
السؤال أيضًا: ماذا سيفعل لبنان؟
هل ستتمكن الدولة من تثبيت حضورها في الجنوب وحماية أهل القرى؟
هل يستطيع الجيش أن يكون عنوانًا فعليًا للأمن والاستقرار؟
هل تتحرك الدبلوماسية اللبنانية والدولية لمنع توسيع دائرة الحرب؟
وهل تُحترم التفاهمات والاتفاقات التي يفترض أن تمنع عودة الحرب إلى مناطق جديدة؟
اليوم، يقف لبنان أمام مفترق خطير.
فإما أن تتحول التطورات الحالية إلى مرحلة ضغط تنتهي بتسوية تضمن وقف الاعتداءات وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وإما أن يستمر منطق «بعد هذه البلدة… بلدة أخرى»، حتى يجد اللبنانيون أنفسهم أمام جغرافيا تتقلص فيها مساحة الأمان يومًا بعد يوم.
من علي الطاهر إلى المنصوري، ومن المنصوري إلى النبطية… يبقى السؤال الذي يردده اللبنانيون: إلى أين؟
وإذا كان هناك من يلوّح بالوصول إلى بيروت، فالسؤال الأهم ليس إن كان قادرًا على إطلاق التهديد، بل:
هل سيترك لبنان والمنطقة والمجتمع الدولي هذا التهديد يتحول إلى واقع؟
فالجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الخراب، ولبنان لا يحتمل أن تصبح كل بلدة فيه محطة جديدة على خريطة التصعيد.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى موقف دولة، لا مجرد موقف بيان.
