“مملكة الهراء”: كتاب يؤسس لمشروع فكري عالمي جديد.. تلك “الحماقة” التي تحكم العالم!
قليلةٌ هي الكتب في تاريخ الفكر الإنساني التي درست موضوع الحماقة، وغالبا ما مزجتها بالغباء وتناولتها في إطار فلسفي أو نفسي أو أدبي.
ويُمكن أن نذكر من التراث العربي كتاب “أخبار الحمقى والمغفلين” لابن الجوزي. أما في الفلسفة الغربية، فنذكر كتاب “في مديح الحماقة” للمفكر الهولندي إيراسموس روتردام، وكتاب “سيكولوجية الحماقة” لمجموعة من الباحثين أشرف عليهم عالم النفس جان فرنسوا مارميون، إضافة إلى كتاب “مسيرة الحماقة؛ من طروادة إلى فيتنام” للمؤرخة والمفكرة الأمريكية باربرا توشمان.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
ويأتي كتاب “مملكة الهراء؛ كيف يحكم الغباء عالما يظنّ نفسه عاقلا؟ (من الكهف إلى الخوارزمية – كتاب في تشريح الحماقة البشرية)”، للدكتور فؤاد خريس، الأستاذ المساعد في الجامعة اللبنانية، فتحا فكريا متفرّدا؛ إذ يدرس الحماقة من منظور غير متوقّع يجمع بين الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد السلوكي والتاريخ وغيرها من المجالات المعرفية.

يقدم الكتاب لقرائه “وليمة” علمية وفكرية بلغة أدبية راقية تجنح إلى السخرية اللذيذة أحيانا بلغة لا تستعلي على القارئ البسيط. وهو إذ يشرّح السلوك الإنساني للفرد والمجتمع على حدّ سواء، يحرض القارئ على إعادة فهم “الحماقة” من منظور خارج نمط التفكير العادي، ويدفعه إلى التساؤل في شؤون الواقع اليومي للإنسانية جمعاء.
ما قد يقتنع به المتلقي في النهاية هو أن عنوان الكتاب يمثل كشّاف الإضاءة لفهم الجنون الذي انتهى إليه العالم. ولعل هذا الأمر يحيلنا إلى استحضار كتاب “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” للفيلسوف ميشيل فوكو؛ ليس من منطلق التقارب بين الكتابين فهما مختلفان في الأبعاد والمرامي، بل من منطلق أن كتاب فوكو أسس لأكبر مشروع فكري لتفكيك وتحليل آليات الحضارة الغربية.
أما هذا الكتاب فيؤسس -بشكل ما- لمشروع فكري عالمي يتجاوز التفكيك إلى البحث في “أركيولوجيا الأفكار”؛ بهدف توليد وعي إنساني موحّد، وربما “التبشير” بإنسان جديد متحرر من سلطة “الحماقة” بالمفهوم الذي درسه الكاتب.

انطلاقا من العنوان “مملكة الهراء”، يدفع الكاتب بقارئه إلى التفكير خارج الصندوق وخارج مضمون الكتاب ذاته. فكلمة “مملكة” بصيغة المفرد تفيد أنه لا وجود لمملكة غيرها، فهي تعبير عن “العالم” بالضرورة، كما تفيد بوجود “ملك” واحد يحكمها. وإذا كان هذا الملك هو الحماقة، فإنها تكون بالضرورة “مملكة الهراء”.
وكان الكاتب سخيا في تقديم الأدلة والبراهين التي تُثبت هذه “الحقيقة” التي يعيشها الإنسان المعاصر ويعاني من ويلاتها؛ كالقلَق المزمن، والاضطراب النفسي، والخوف من المجهول، والحروب والصراعات، وخراب الطبيعة وارتداد ذلك على مصادر الطعام والمياه والصحة. ورغم كل ذلك، لا يكاد الإنسان يتبيّن ملامح هذه الحقيقة ولا يفسرها بفكر واضح، ولعله لا يستطيع أن يصارح نفسه بأن الحياة نفسها تحوّلت في “مملكة الهراء” إلى عقوبة تنتهي بالموت!
إن الاستغراق في تلك “الحقيقة” قد يقود القارئ إلى مستنقع التشاؤم في زمن يحتاج فيه الإنسان إلى صنع السعادة وابتداعها من كونه الداخلي ليفيض بها على ما حوله. وقد تنبّه الكاتب إلى هذا الخطر، فأكد منذ الصفحة الأولى أن “هذا ليس كتابا تشاؤميا”، وقدّم ما يُمكن اعتباره شهادة ضمان للقراءة بأن الكتاب ليس انفعاليا يخاطب العواطف أو يستهدف استثارة المواجع الكامنة في الأعماق.
وإن كانت لغته تجنح إلى السخرية، فقد قال الكاتب:
“حاولتُ أن يكون هذا الكتاب مزيجا من الفلسفة والتاريخ وعلم النفس والاجتماع، مكتوبا بسخرية أرجو أنّها ذكية لا مهرّجة؛ سخريةٌ تُضحك ثمّ تُمرّ. ولن أكتفي بالتحليل؛ سأروي، ثمّ أعود من الرواية إلى المفهوم. فالفكرة التي لا تتجسّد في قصّة تُنسى بعد أيّام، والحماقة تُفهم في مجاعة حقيقية ابتلعت الملايين، وفقاعة حوّلت زهرة إلى ثروة ثمّ إلى لا شيء، ومطاردة علّقت أبرياء على أوهام، أكثر ممّا تُفهم في أيّ تعريف مجرّد”.
وليزيد من طمأنة القارئ بأنه كتاب متعدد الأبعاد (علمي وتاريخي يمتلك كل أدوات الوثوقية)، قال: “استندتُ ما أمكن إلى درسات محكّمة وتجارب موثّقة، من علم النفس المعرفي والاقتصاد السلوكي وعلوم الأعصاب إلى أبحاث التضليل الرقمي والذكاء الاصطناعي”.
وفي كل ذلك، ينطلق الكاتب من اعتراف بالغ الأهمية يُمكن اعتباره خلاصة قراءات للحضارات التي عرفتها البشرية، صاغها في عبارة وجيزة: “الحضارة الإنسانية لم تُبَنَ على العبقرية وحدها، بل على قدر هائل -يفوق ما نجرؤ على الاعتراف به- من الغباء، والغرور، والوهم، والتعصّب، والثقة الزائدة، والنفاق، وعبادة السلطة، وتقديس الأفكار”.
من المجدي الإشارة إلى أن الكاتب قدّم مفتاحا لقراءة كتابه قراءة فعّالة حيث قال:
“سيقرأ هذا الكتاب الحماقة بوصفها نمطا متكررا في السلوك الفردي والجماعي، لا بوصفها شتيمة عابرة. لذلك سيعود كلّ فصل إلى ثلاثة أسئلة ثابتة؛ ما الآلية النفسية أو الاجتماعية التي تصنع الحماقة؟ كيف ظهرت تاريخيا أو مؤسسيا؟ وكيف يمكن للقارئ أن يتعرّف إليها في نفسه قبل أن يراها في غيره؟ هذه الأسئلة هي الخيط الذي يربط الفصول، حتى لا يتحوّل الكتاب إلى مجموعة مقالات متفرّقة عن موضوع واحد”.
وزّع الكاتب “مملكة الهراء” على 17 فصلا متنوّعا، ويشتمل كل فصل على محاور عدة، منها؛ قاموس الحماقة، عبادة الكرسي، حماقة النخب، حين تُستغلّ العقيدة، العقل الذي رأى كل شيء ولم يفهم شيئا، صناعة الغضب، حماقة الجماهير، تحالف الحماقات، دليل نجاة من مملكة الهراء، وهل يمكن القضاء على الحماقة؟
يُنهي الكاتب كتابه بعنوان مُلفت؛ “في مديح الحماقة المتواضعة”، مؤكدا أن جميع الناس -على اختلاف انتماءاتهم ومواقعهم في هذه الحياة- هم مواطنون في “مملكة الهراء”، ولا يمتلك أيٌّ منهم جواز الخروج والتحرر منها إلا بالموت.
وهو إذ يقدّم خلاصة لجوهر الفلسفة التي تضمّنها الكتاب، فإنه لا يفرض على القارئ تبنّي رؤيته وأفكاره، بل يتركه في مواجهة نفسه بأدواته الذاتية العلمية والمعرفية وما يمتلكه من رصيد التجارب وفقه الواقع.
لا يترك الكاتب فرصة أمام القارئ ليغادر كتابه دون أن يُدرك مدى استفادته من “مملكة الهراء”؛ إذ يقدّم له معيارا نقديا يُصنّف القارئ وفقا لمدى تفاعله مع النص؛
فإذا بدا للقارئ أنه خرج من الكتاب وهو أكثر يقينا بحكمته وأشد ثقة بتفوقه على “الحمقى من حوله”، فهو لم يفهم شيئا.
أما إذا خرج أقل يقينا، وأكثر رفقا وتسامحا مع من يخطئون، وأكثر نزوعا إلى الضحك من نفسه.. عندها يكون قد استوعب حكمة الكتاب التي تقول؛ “الحكمة في النهاية ليست في أن تعرف أكثر، بل في أن تتيقن أقل”.
لم ينس الكاتب أن يؤكّد أنه مواطن من مواطني “مملكة الهراء”، ولم يزعم أنه خرج منها وإلا كان “أول الحمقى”، داعيا القارئ إلى اعتناق حكمته؛ “استمع، ثم تحقق، ثم احكم بنفسك”. وفي النهاية، يمكن القول إن هذا الكتاب يُعتبر فتحا جديدا في التفكير خارج النمط، ويحمل بذور مشروع فكري لتحرير العالم من الحماقة التي تقوده يوما بعد يوم إلى حافة الجنون.
