في المشهد الإعلامي والأمني المعاصر، برزت ظاهرة باتت تتحكم في توجيه الرأي العام وصناعة الوعي الجماعي، وهي ما يمكن تسميتها بـ**”لعبة المصادر الأمنية”**. إن تصفح شاشات التلفزة أو المنصات الرقمية يكشف عن سيل جارف من العناوين المذيلة بعبارة “كشفت مصادر أمنية رفيعة” أو “أفادت معطيات التحقيق المسرّبة”، وهي معلومات تُمنح حصرياً لمؤسسات إعلامية محددة دون غيرها.
هذا السلوك يطرح علامات استفهام دستورية وقانونية ومهنية بالغة الخطورة: هل يحق لأجهزة الأمن كشف سرية التحقيقات؟ ولماذا تفضل الممرات الخلفية والتسريب الانتقائي على البيانات الرسمية الواضحة؟ والأهم من ذلك، ألا يضع هذا التمييز الأجهزة الأمنية في دائرة الشك، ويتحول إلى أداة لعرقلة العدالة وتصفية الحسابات؟
1. خرق القانون والسرية: هل يحق للأمن كشف التحقيقات؟
من الناحية القانونية الصرفة، تشكل هذه التسريبات مخالفة علنية صريحة للقوانين الجزائية والدستورية.
-
- سرية التحقيق: تنص القوانين في معظم الأنظمة الدستورية على أن “تحقيقات الضابطة العدلية أو الأجهزة الأمنية تحت إشراف القضاء هي تحقيقات سريّة للغاية” حتى صدور القرار الظني أو الحكم الفاصل.
- تجاوز الصلاحيات: إن قيام ضباط أو مسؤولين أمنيين بتسريب محاضر التحقيق، أو اعترافات الموقوفين، أو تفاصيل المخططات قبل اكتمالها، يعدّ استباقاً للقضاء، وخرقاً لمبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، وتحويل الأجهزة الأمنية من جهة تنفيذية إلى جهة حاكمة عبر الشاشات.
2. الاستنسابية والانتقائية: لماذا التعامل مع محطات محددة؟
تتعامل أجهزة الأمن مع وسائل إعلام بعينها بناءً على المصلحة المشتركة والتبادل المنفعي. هذا التفضيل يضرب في العمق مفهوم “تساوي الفرص” بين المؤسسات الإعلامية.
توجد في كل دولة قنوات وإذاعات ووكالات أنباء رسمية (مثل تلفزيون الدولة أو الوكالة الوطنية الرسمية) هي الأحق قانوناً وبنيوياً بأن تكون الممر الشرعي لأي معلومة تهم الأمن القومي والمواطن. وتجاوز الإعلام الرسمي لصالح منصات خاصة أو موجهة يحمل هدفين:
توجد في كل دولة قنوات وإذاعات ووكالات أنباء رسمية (مثل تلفزيون الدولة أو الوكالة الوطنية الرسمية) هي الأحق قانوناً وبنيوياً بأن تكون الممر الشرعي لأي معلومة تهم الأمن القومي والمواطن. وتجاوز الإعلام الرسمي لصالح منصات خاصة أو موجهة يحمل هدفين:
-
- الهروب من المسؤولية القانونية: عندما يخرج البيان رسمياً، تتحمل الدولة مسؤوليته؛ أما عندما يُنشر عبر “مصدر أمني غامض”، يمكن للجهاز التنصل منه بسهولة إذا ثبت خطأ المعلومة لاحقاً.
- استخدام الإعلام كـ”بريد سياسي”: غالباً ما يجري اختيار محطات محددة تملك خطاً سياسياً معيناً لتمرير رسائل ضغط لجهات محلية أو إقليمية معادية، مما يحوّل الإعلام من سلطة رقابية إلى “صندوق بريد” أو ذراع للبروباغندا الأمنية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
3. البيانات الرسمية المغيبة: لماذا الخوف من مواجهة الرأي العام؟
تسأل الجماهير دائماً: لماذا لا تخرج الأجهزة الأمنية ببيانات رسمية مصورة أو مكتوبة أمام الرأي العام؟
الجواب يكمن في أن البيانات الرسمية تتطلب أعلى درجات الدقة والمسؤولية والموثوقية. فالجهاز الأمني لا يستطيع النشر رسمياً إلا بعد اكتمال الأدلة بنسبة 100%. لكن في كثير من الملفات الحساسة (الاغتيالات، قضايا الفساد، الاختراقات)، تكون الأجهزة خاضعة لـتوازنات سياسية وضغوطات عليا تمنعها من قول الحقيقة كاملة، فتلجأ إلى “التسريب الجزئي” لتهدئة الشارع تارة، أو لتوجيه الاتهام نحو مسار معين لخدمة أجندة سياسية معينة تارة أخرى.
الجواب يكمن في أن البيانات الرسمية تتطلب أعلى درجات الدقة والمسؤولية والموثوقية. فالجهاز الأمني لا يستطيع النشر رسمياً إلا بعد اكتمال الأدلة بنسبة 100%. لكن في كثير من الملفات الحساسة (الاغتيالات، قضايا الفساد، الاختراقات)، تكون الأجهزة خاضعة لـتوازنات سياسية وضغوطات عليا تمنعها من قول الحقيقة كاملة، فتلجأ إلى “التسريب الجزئي” لتهدئة الشارع تارة، أو لتوجيه الاتهام نحو مسار معين لخدمة أجندة سياسية معينة تارة أخرى.
4. عرقلة التحقيق وضياع الحقيقة: الأجهزة في دائرة الشك
إن خطورة هذه “اللعبة” تتجاوز الخرق المهني لتصل إلى تدمير ملفات التحقيق وبث الشبهات حول نزاهة الأجهزة:
-
- حرق الأدلة وتحذير المتورطين: عندما تسارع جهة أمنية لتسريب معلومة حول كشف شبكة أو ملاحقة مشتبه به لمحطة تلفزيونية طلباً لـ”السبق الإعلامي”، فإنها تقوم عملياً بتحذير بقية أفراد الشبكة الفارين، مما يعطي المستهدفين فرصة لإتلاف الأدلة أو الهروب خارج البلاد، وبذلك تصبح الأجهزة شريكة صامتة في عرقلة العدالة.
- تسييس الأمن وسقوط الثقة: عندما يرى المواطن أن التحقيقات تُجزأ وتُباع كبضاعة إعلامية حصرية لبعض القنوات، تسقط هيبة الجهاز الأمني وتتراجع ثقة الناس بالتحقيقات بالكامل، بحيث يُنظر إلى أي إجراء قضائي أو أمني مستقبلي على أنه “مفبرك سياسياً” أو صنيعة غرف سوداء، لا سيما في الملفات الأمنية الحساسة التي تمس السلم الأهلي.
خلاصة القول:
إن “لعبة المصادر الأمنية” ليست دليلاً على نشاط الأجهزة، بل هي مؤشر خطير على وهن المؤسسات وتسييس الأمن. إن من حق الإعلام الرسمي والخاص، ومن خلفهما الرأي العام، الحصول على المعلومة الدقيقة عبر مؤتمرات وبيانات رسمية شفافة؛ أما استمرار التهريب المنظم للمحاضر والتحقيقات خلف الكواليس، فلن يؤدي إلا إلى وضع الأجهزة الأمنية في قفص الاتهام وتحويل العدالة إلى مادة للإثارة التلفزيونية.
إن “لعبة المصادر الأمنية” ليست دليلاً على نشاط الأجهزة، بل هي مؤشر خطير على وهن المؤسسات وتسييس الأمن. إن من حق الإعلام الرسمي والخاص، ومن خلفهما الرأي العام، الحصول على المعلومة الدقيقة عبر مؤتمرات وبيانات رسمية شفافة؛ أما استمرار التهريب المنظم للمحاضر والتحقيقات خلف الكواليس، فلن يؤدي إلا إلى وضع الأجهزة الأمنية في قفص الاتهام وتحويل العدالة إلى مادة للإثارة التلفزيونية.
