تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
من أول تفجير نووي فرنسي عام 1960 إلى إرث الإشعاع والأسئلة العالقة حول مصير الأسرى والضحايا، لا تزال رقان تروي فصلًا من التاريخ الاستعماري لم ينل ما يستحقه من الاهتمام الدولي.
في الوقت الذي تحوّلت فيه هيروشيما إلى رمز عالمي للمأساة النووية، لا تزال رقان الجزائرية بعيدة عن ذاكرة كثيرين، رغم أنّ رمالها شهدت تجارب نووية فرنسية خلّفت إرثًا بيئيًا وإنسانيًا لا تزال بعض جوانبه موضع بحث ومطالبة بالكشف عن الحقيقة.
ليست المسألة مقارنة بين مأساتين، ولا انتقاصًا من حجم الكارثة التي شهدتها اليابان، بل سؤال عن الذاكرة والعدالة: لماذا تحضر بعض المآسي بقوة في الوعي العالمي، فيما تبقى مآسٍ أخرى حبيسة الأرشيف والشهادات والملفات السياسية؟
رقان… حين تحوّلت الصحراء إلى ميدان للتجارب النووية
في 13 شباط 1960، فجّرت فرنسا أول قنبلة نووية لها في منطقة رقان بالصحراء الجزائرية، وأطلقت عليها اسم «اليربوع الأزرق» (Gerboise Bleue). جاء ذلك خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، التي كانت تعيش حرب التحرير منذ عام 1954.
لم يكن التفجير حدثًا علميًا عابرًا، بل محطة أساسية في سعي فرنسا إلى امتلاك السلاح النووي وتعزيز مكانتها العسكرية بين القوى الكبرى. وقد أجرت فرنسا تجاربها في أرض كانت خاضعة لسيطرتها الاستعمارية، بعيدًا عن أراضيها الأوروبية، في واقع يطرح أسئلة عميقة حول توزيع المخاطر بين القوة التي تجري التجربة والسكان الذين يعيشون في محيطها.
وبين عامي 1960 و1966، أجرت فرنسا 17 تفجيرًا نوويًا في الجزائر: أربعة تفجيرات جوية قرب رقان، و13 تفجيرًا تحت الأرض قرب إن إكر في منطقة الهقار. واستمر البرنامج النووي الفرنسي في الجزائر حتى بعد استقلالها عام 1962.
وهكذا، لم تكن رقان مجرد موقع عسكري في الصحراء، بل أصبحت جزءًا من تاريخ نووي ارتبط بالاستعمار، ولا تزال تبعاته تثير أسئلة حول البيئة والصحة وحق السكان في معرفة ما حدث لأرضهم.
أسرى جزائريون أمام القنبلة… رواية تستدعي التحقيق
من أكثر الروايات إثارة للجدل في ملف التجارب الفرنسية ما يتصل بادعاءات استخدام أسرى جزائريين في تجارب مرتبطة بالتفجيرات النووية.
فقد تناولت دراسات تاريخية جزائرية رواية تفيد بأن أسرى جزائريين رُبطوا بأعمدة قرب موقع أحد التفجيرات، بهدف دراسة تأثير الانفجار والإشعاع على أجساد البشر. ومن بين ما ورد في بعض هذه الدراسات تقدير يصل إلى نحو 150 أسيرًا، مع ربط الرواية بالتفجير المعروف باسم «اليربوع الأحمر» (Gerboise Rouge)، الذي وقع في 27 كانون الأول 1960.
لكنّ هذه التفاصيل، بما فيها العدد الدقيق للأسرى وهوياتهم ومصيرهم، تحتاج إلى تدقيق مستقل ومقارنة الشهادات بالوثائق الأصلية المتاحة. ولا يصحّ تقديمها بوصفها حقيقة نهائية محسومة من دون أدلة كافية.
إنّ خطورة هذه الرواية لا تسمح بتجاهلها، كما أنّ خطورتها نفسها تفرض التعامل معها بمسؤولية صحافية، بعيدًا عن التهويل أو الجزم بما لم يُحسم.
فإذا أثبتت الوثائق استخدام أسرى محتجزين من دون موافقتهم في تجارب من هذا النوع، فستكون القضية أبعد من حدود البرنامج النووي؛ إذ ستفتح بابًا واسعًا للمساءلة عن المعاملة التي تعرّض لها الأسرى، وعن حقوقهم الإنسانية، وعن مصير الذين لم تُعرف أسماؤهم أو لم تُوثّق شهاداتهم.
ويبقى السؤال الأهم: هل كُشف كل ما تحتويه الأرشيفات العسكرية الفرنسية بشأن ما جرى في تلك المواقع، أم أنّ وثائق أساسية لا تزال تنتظر الكشف عنها؟
آثار لا تختفي بانتهاء التفجيرات
لم تنتهِ قصة رقان مع توقف التفجيرات. فالتجارب النووية قد تترك وراءها مواد مشعّة ومخلّفات ملوّثة تستوجب التقييم والمراقبة، خصوصًا عندما لا تكون مواقعها وحدود انتشار التلوث معروفة بصورة كاملة.
وقد تناولت دراسات علمية وتقارير متخصصة الإرث الإشعاعي لبعض مواقع التجارب الفرنسية في الجزائر. وأشارت تقييمات إلى وجود مواد مشعّة متبقية في مواقع محددة قرب رقان، وإلى مخاطر مرتبطة بمخلّفات التجارب تحت الأرض في منطقة إن إكر.
وفي المقابل، لا تعني هذه النتائج أنّ جميع مناطق الصحراء ملوّثة بالمستوى نفسه، ولا أنّ كل مرض ظهر لدى السكان سببه الإشعاع. فإثبات العلاقة بين التعرض الإشعاعي والأمراض يتطلب بيانات طبية ووبائية دقيقة، إلى جانب معلومات موثوقة عن مستويات التعرض ومدته.
غير أنّ نقص المعلومات، وصعوبة متابعة الآثار على مدى عقود، يبرّران المطالبة بدراسات مستقلة وشفافة، وبنشر البيانات المتاحة عن المواقع والمخلّفات وسبل التعامل معها بأمان.
فمن حق سكان المناطق المعنية أن يعرفوا طبيعة المخاطر المحتملة، ومن حق الأجيال المقبلة أن ترث أرضًا جرى التعامل مع آثارها البيئية بمسؤولية ووضوح.
هيروشيما ورقان… لماذا تختلف الذاكرة؟
في السادس من آب 1945، ألقت الولايات المتحدة قنبلة ذرية على هيروشيما، ثم استهدفت ناغازاكي في التاسع من الشهر نفسه. وأصبحت المدينتان رمزًا عالميًا لما يمكن أن يفعله السلاح النووي بالمدن والسكان.
لكنّ رقان لم تحظَ بالحضور نفسه في الثقافة الشعبية العالمية، رغم مكانتها في تاريخ تطوير السلاح النووي الفرنسي.
ويعود ذلك إلى مجموعة عوامل، أبرزها اختلاف طبيعة الحدثين؛ فهيروشيما وناغازاكي شهدتا قصفًا نوويًا مباشرًا لمدينتين خلال الحرب العالمية الثانية، فيما كانت الجزائر مسرحًا لتجارب عسكرية أجرتها قوة استعمارية ضمن برنامج لتطوير أسلحتها النووية.
كما أسهمت عوامل سياسية وإعلامية وتاريخية في تشكيل الذاكرة العالمية. فقد امتلكت مأساة هيروشيما حضورًا واسعًا عبر شهادات الناجين والمتاحف والأفلام والكتب والمناسبات التذكارية، بينما بقي ملف رقان أقرب إلى الدراسات المتخصصة والمطالبات الجزائرية والحقوقية.
ولا يعني ذلك أنّ العالم تجاهل رقان بالكامل؛ فقد تناولتها أبحاث علمية وتقارير رسمية وحملات للمطالبة بالكشف عن مصير المخلّفات والضحايا المحتملين. لكنّ حجم حضورها في الوعي العام لا يزال محدودًا مقارنة بما تحوّلت إليه هيروشيما من رمز دولي.
وهنا تبرز مفارقة الذاكرة التاريخية: فليس كل ما يحدث على أرض شعبٍ ما يحظى بالقدر نفسه من التغطية والاهتمام، ولا تصل أصوات جميع الضحايا إلى العالم بالقوة نفسها.
مسؤولية تاريخية وأسئلة لم تُغلق
لا ينحصر ملف التجارب النووية الفرنسية في الجزائر في الروايات التاريخية، بل يمتد إلى قضايا البيئة والصحة والشفافية والحقوق.
وتتمثل أبرز المطالب المطروحة في إتاحة الأرشيفات العسكرية والعلمية، وتحديد مواقع المخلّفات المشعّة، وإجراء تقييمات مستقلة للآثار البيئية والصحية، وضمان وصول المعلومات إلى السكان، ووضع آليات واضحة لمعالجة مطالب المتضررين وتعويض من تثبت أحقيتهم.
ولا يمكن تحقيق ذلك بالشعارات وحدها، بل يتطلب تعاونًا علميًا وشفافية رسمية وإتاحة الوثائق للباحثين، إلى جانب توثيق شهادات السكان والعاملين والأشخاص الذين ارتبطت حياتهم بمواقع التجارب.
كما أنّ كشف الحقيقة لا ينبغي أن يقتصر على ما يمكن إثباته اليوم، بل يجب أن يشمل البحث الجاد في الأسئلة التي لم تُحسم بعد: ماذا حدث للأسرى الذين تتناولهم الروايات؟ ما مصير الأشخاص الذين تعرضوا لمخاطر محتملة؟ وأين توجد المخلّفات التي لم تُحدّد مواقعها بصورة قاطعة؟
إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة ليست شأنًا تاريخيًا فحسب، بل خطوة ضرورية نحو معالجة إرث الماضي.
رقان ليست هامشًا في التاريخ
قد يعرف العالم اسم هيروشيما، لكنّ كثيرين لا يعرفون رقان، رغم أنّها شكّلت محطة مهمة في تاريخ السلاح النووي، وشهدت أرضها تجارب ارتبطت بمرحلة الاستعمار الفرنسي للجزائر.
ولا ينبغي أن تكون الذاكرة ساحة للمفاضلة بين الضحايا؛ فمأساة هيروشيما تستحق أن تبقى حاضرة، كما تستحق رقان أن تُروى قصتها، وأن يُفتح أرشيفها، وأن تُدرس آثار ما جرى فيها بموضوعية وشفافية.
إنّ العدالة التاريخية تبدأ حين لا يصبح الاعتراف بالضحايا امتيازًا مرتبطًا بموقعهم الجغرافي أو بالقوة السياسية التي تقف وراء قصتهم.
رقان ليست مجرد اسم في سجل التجارب النووية الفرنسية؛ إنّها قضية ذاكرة وحق في المعرفة ومسؤولية عن آثار الماضي. وما لم تُكشف الوثائق، وتُحدّد المخلّفات، وتُجب الأسئلة العالقة، ستبقى صفحة من هذا التاريخ مفتوحة، تنتظر الحقيقة والإنصاف.
