لا تُطفئوا مستقبلها باسم الزواج – حوراء غندور
اليوم، في الحادي عشر من تشرين الأول، نحتفي باليوم العالمي للطفلة. لكنّ الاحتفاء الحقيقي يبدأ بسؤال قد يزعجنا: هل نمنح فتياتنا الحقّ في أن يعشن طفولتهنّ، أم نطلب منهنّ أن يكبرن قبل أوانهنّ كي يرضين توقعات الآخرين؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
كيف نُصفّق لطفلة في يومها العالمي، ثم نقبل أن تغادر المدرسة لتدخل حياة لم تنضج بعد لتحمّل مسؤولياتها؟ كيف نحدّثها عن الأحلام، ثم نسمح بأن يختار الآخرون مستقبلها؟ وكيف نسمّي قرارًا «حماية» إذا كان قد يحرمها من الأدوات التي تحتاجها لتحمي نفسها؟
بصفتي مربية وأمًّا، أرفض الزواج المبكر لأنني أرى في كلّ فتاة إنسانة لها حقّ في الوقت: وقت لتنمو، وتتعلّم، وتكتشف قدراتها، وتفهم احتياجاتها، وتكوّن رأيًا تستطيع التعبير عنه بحرية. أرفض أن تتحوّل طفولتها إلى مرحلة مستعجلة، وأن يُطلب منها تحمّل مسؤوليات الزواج والأمومة بينما لا تزال هي نفسها بحاجة إلى الرعاية والتوجيه والأمان.
حين يتوقّف تعليمها، تضيق الخيارات أمامها
قد يبدو خروج فتاة من المدرسة حدثًا صغيرًا في حياة أسرة، لكنّ أثره قد يرافقها سنوات طويلة. وراء المقعد الفارغ فرصة ضائعة لتكتسب مهارة، وشهادة كان يمكن أن تفتح لها بابًا، وصداقة تمنحها الدعم، ومعلّمة قد تساعدها على اكتشاف موهبة لم تعرف أنّها تمتلكها.
وحين نقول إنّ الفتاة «يمكنها أن تتعلّم لاحقًا»، علينا أن نسأل بصدق: من سيمنحها الوقت؟ من سيتحمّل معها مسؤوليات البيت ورعاية الأطفال؟ ومن سيدعم عودتها إلى الدراسة إذا أصبحت الكلفة أكبر والظروف أصعب؟
لا يكفي أن نترك باب التعليم مفتوحًا بالكلام، بينما نضع أمامه مسؤوليات لا تستطيع تجاوزها وحدها.
التعليم يوسّع قدرتها على الاختيار. يساعدها على فهم العالم، ومناقشة ما يُعرض عليها، ومعرفة حقوقها، والسعي إلى عمل، والتعامل مع المال، وطلب المساعدة. لذلك، فإنّ حرمانها منه قد يجعلها أكثر اعتمادًا على الآخرين في قرارات تمسّ حياتها كلّها.
جسد الطفلة لا يجب أن يدفع ثمن قرارات الكبار
القدرة على الحمل لا تعني الاستعداد الجسدي والنفسي للأمومة. فالفتاة تحتاج إلى النضج والمعرفة والرعاية، وإلى أن يكون لها صوت في القرارات المتعلقة بجسدها وصحتها.
وحين يقترن الزواج المبكر بحمل مبكر، قد تواجه مخاطر صحية أكبر، خصوصًا إذا كانت الرعاية الطبية غير متاحة، أو كانت عاجزة عن الوصول إليها، أو لم يكن مسموحًا لها أن تقرّر متى تطلبها.
علينا أن نتوقّف عن التعامل مع تحمّل الفتيات للألم بوصفه دليلًا على قوّتهنّ. قوّتنا كمجتمع تظهر في قدرتنا على حمايتهنّ من الأذى، وتوفير الرعاية لهنّ، واحترام احتياجاتهنّ.
لا يجوز أن نطلب من طفلة أن تكون مسؤولة عن حياة أخرى قبل أن نضمن لها حقّها في حياة آمنة.
وقد يختبئ الألم خلف ابتسامة في صورة زفاف
الصورة لا تخبرنا بكلّ شيء. قد نرى فستانًا وابتسامة واحتفالًا، ولا نرى الخوف من المجهول، أو الحزن على المدرسة، أو الوحدة بعد الابتعاد عن الصديقات، أو الارتباك أمام مسؤوليات جديدة.
قد تبدو الفتاة هادئة لأنّها لا تعرف كيف تعترض. وقد تقول «نعم» لأنّها تخشى غضب أهلها، أو لأنّها لم تسمع يومًا أنّ من حقّها أن تقول «لست مستعدّة».
لهذا، فإنّ موافقتها تستحقّ أكثر من سؤال سريع أمام الآخرين. تحتاج إلى مساحة آمنة تستطيع فيها التعبير دون ضغط أو تهديد أو شعور بالذنب. ويجب أن تؤخذ مخاوفها وأحلامها بجدّية.
صحّتها النفسية تستحقّ الاهتمام قبل أن يصل الألم إلى حدّ لا تستطيع احتماله. تحتاج إلى أشخاص يصغون إليها، ويحترمون حدودها، ويؤكّدون لها أنّ طلب الدعم لا ينتقص من قيمتها.
الاعتماد المالي قد يجعل الخيارات أصعب
حين تنقطع الفتاة عن التعليم والتدريب، قد تضيق فرصها في العمل والدخل. وإذا وجدت نفسها لاحقًا في علاقة مؤذية، فقد يصبح الخروج منها أكثر صعوبة حين لا تملك مالًا أو مهارة أو مكانًا آمنًا تلجأ إليه.
اسألوا امرأة تريد حماية نفسها: ماذا يعني أن تعرف حقوقها، لكنّها لا تستطيع دفع أجرة الطريق؟ ماذا يعني أن ترغب في المغادرة، لكنّها لا تعرف أين ستنام أو كيف ستؤمّن الطعام لأطفالها؟
هنا نفهم لماذا يجب أن نتحدّث عن الاستقلال المالي بوصفه جزءًا من الأمان. فالفتاة تحتاج إلى فرص واقعية للتعلّم والعمل، وإلى معرفة تساعدها على إدارة دخلها، وإلى مجتمع يمنحها أجرًا عادلًا ويحترم مشاركتها.
التعليم وحده لا يزيل كلّ العوائق، لكنه يمنحها أساسًا مهمًّا لبناء مستقبل أوسع. ومسؤوليتنا أن نربط هذا التعليم بفرص حقيقية، كي لا تبقى وعود الاستقلال حبرًا على ورق.
الفقر يحتاج إلى حلول تحمي الأطفال
أعرف أنّ بعض الأسر تواجه ظروفًا قاسية، وأنّ الخوف على الفتيات قد يكون حقيقيًّا، خصوصًا في أوقات الفقر والنزوح وعدم الاستقرار. ولهذا يجب أن يصل الدعم إلى الأسر قبل أن تضطر إلى اتخاذ قرارات تضرّ بأطفالها.
حين تقول أسرة إنّها لا تستطيع تحمّل كلفة تعليم ابنتها، فإنّ الجواب يجب أن يكون دعمًا يساعدها على البقاء في المدرسة. وحين تخشى على سلامتها، فإنّ المطلوب طريق آمن، وبيئة تحميها، وجهات تستجيب لأيّ تهديد.
مواجهة زواج الأطفال تحتاج إلى أكثر من إدانة. تحتاج إلى حماية اجتماعية، وتعليم متاح، ورعاية صحية ونفسية، وحوار مع الأسر، ومؤسسات تتحمّل مسؤولياتها. لا يجوز أن نترك الأسرة وحيدة أمام الفقر، ثم نترك الطفلة وحدها أمام عواقب القرار.
تعليمها يصنع أثرًا يتجاوز حياتها
حين تتعلّم الفتاة، تتّسع إمكاناتها للمشاركة في مجتمعها. قد تصبح معلّمة تفتح أبواب المعرفة، أو طبيبة تعتني بالناس، أو صاحبة مشروع توفّر فرص عمل، أو مواطنة تسأل وتناقش وتساهم في القرار.
وإذا اختارت أن تصبح أمًّا، فقد تساعدها معرفتها على متابعة تعليم أطفالها وصحتهم، ودعم فضولهم، وتشجيعهم على الاستمرار. وقد يصبح ما تعلّمته بداية لكسر حلقة حرمان عاشت فيها أجيال من أسرتها.
ومع ذلك، فإنّ حقّها في التعليم لا يحتاج إلى إثبات فائدته للآخرين. هي تستحقّه من أجل ذاتها أيضًا؛ من أجل طموحها وكرامتها وقدرتها على أن تعيش حياة تختارها.
كما أنّ مسؤولية بناء أسرة متعلّمة وآمنة لا تقع على المرأة وحدها. يحتاج الأطفال إلى آباء يشاركون في الرعاية، ومدارس تستجيب لاحتياجاتهم، ومجتمعات تحترمهم وتحميهم.
علينا أن نُعدّ بناتنا لحياة قد لا نكون فيها إلى جانبهنّ
هذه الفكرة تمسّني بعمق كأمّ. لا أستطيع أن أَعِد ابنتي بأنني سأكون حاضرة في كلّ موقف صعب، أو أنني سأتمكّن من إزالة كلّ عقبة من طريقها. لكنني أستطيع أن أعمل اليوم كي تمتلك غدًا معرفة تستند إليها، ومهارة تكسب بها رزقها، وثقة تعبّر بها عن رأيها، وشجاعة تطلب بها الدعم.
الحبّ مسؤولية تمتدّ إلى المستقبل. علينا أن نعلّم بناتنا كيف يتّخذن القرار، وكيف يميّزن الاحترام من السيطرة، وكيف يضعن حدودًا، وكيف يتعاملن مع الخطأ، وكيف ينهضن بعد التعثّر.
فالحياة لن تكون عادلة في كلّ مرة. ولهذا يجب ألّا نُضعف استعدادهنّ لها بحرمانهنّ من التعليم أو استعجال انتقالهنّ إلى مسؤوليات لم يخترنها بحرية.
ولكلّ فتاة تزوّجت مبكرًا: حقّك في المستقبل باقٍ
لا يجوز أن تتحوّل حملتنا ضدّ الزواج المبكر إلى حكم على الفتيات اللواتي عشنه. هنّ يستحققن الاحترام والدعم، وفرصة العودة إلى التعليم، والوصول إلى الرعاية، واكتساب مهارات تساعدهنّ على الاستقلال.
ما حدث في الماضي لا يلغي حقّهنّ في بداية جديدة. ويجب أن نفتح لهنّ الأبواب دون لوم، وأن نصغي إلى تجاربهنّ، وأن نبني الحلول معهنّ.
وأتوجّه بالشكر إلى مؤسسة ماهيلا أديامي على إتاحة مساحة لرفع الصوت دفاعًا عن حقوق الفتيات. قيمة هذه المساحات تكبر حين تتحوّل الكلمات فيها إلى التزام يحمي طفلة، أو يدعم أسرة، أو يعيد فتاة إلى مقعد الدراسة.
في اليوم العالمي للطفلة، أريد أن يكون موقفنا واضحًا: لا نقبل أن تدفع فتاة ثمن الفقر من سنوات تعليمها، أو ثمن خوف الآخرين من حرّيتها، أو ثمن العادات من صحّتها ومستقبلها.
دعونا ننظر إلى الفتاة التي أمامنا ونسأل: هل نساعدها على أن تصبح قادرة على الاختيار؟ هل تسمع منّا أنّ صوتها مهمّ؟ وهل تجد في أفعالنا ما يثبت أنّ أحلامها تستحقّ فرصة؟
اتركوا لها وقتًا لتكبر. امنحوها فرصة لتتعلّم. واحموا حقّها في أن تختار.
طفولتها حقّ. تعليمها حرية. ومستقبلها يجب أن يحمل صوتها.
حوراء إبراهيم غندور
مربية، ومدافعة عن السلام وتمكين الفتيات — لبنان
