تحولت العاصمة اللبنانية بيروت خلال الأيام القليلة الماضية إلى نقطة تلاقي وتدافع دبلوماسي غير مسبوق، مع تدفق الوفود والموفدين من محاور دولية وإقليمية مختلفة. من زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، إلى المحادثات الحساسة لوزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، وصولاً إلى اللقاءات التي عقدها مساعد وزير الخارجية الإيراني، يبدو واضحاً أن الملف اللبناني وُضع على نار حامية، وأن ثمة ترتيبات كبرى تُطبخ خلف الأبواب المغلقة.
فما الذي يحمله هؤلاء الموفدون في جعبتهم؟ وهل يقف لبنان أمام عتبة تسوية شاملة أم جولة جديدة من الضغوط؟
١. الحراك الفرنسي: حسم مصير الجنوب ومعادلة الـ 1701
جاءت زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ولقاؤه الحاسم في اليرزة مع قائد الجيش اللبناني، لتكشف عن قلق أوروبي حقيقي من تطورات الميدان الجنوبي. تركز الطرح الفرنسي على نقطتين جوهريتين:
- صيغة ما بعد ٢٠٢٧: مع اقتراب المهل الزمنية المتعلقة بالقوات الدولية (اليونيفيل)، تقود باريس جهوداً داخل مجلس الأمن الدولي لابتكار “بنية دولية جديدة” لمنع أي فراغ أمني قد يضع الجيش اللبناني على تماس مباشر مع الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة.
- دعم وتجهيز الجيش: تطرح فرنسا نفسها كعراب لإعادة انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة ومصادرة الأسلحة غير الشرعية، وتعمل على تسريع عقد المؤتمر الدولي لدعم الجيش لتمكينه مادياً وعسكرياً من تنفيذ هذه المهام.
٢. الدور القطري والإيراني: الموازنة بين الدعم وترتيب الأوراق
في المقابل، يتحرك الجانب القطري برؤية تجمع بين المساعدة الإنسانية والوساطة السياسية، حيث يربط أي دعم مالي أو إعماري مستقبلي بمدى التزام القوى اللبنانية بإنجاز الإصلاحات الاقتصادية. ولم يكن التحرك الإيراني بعيداً؛ إذ جاءت زيارة مساعد وزير الخارجية الإيراني للتأكيد على رفض الإملاءات الغربية، ومحاولة شد عصب الحلفاء ميدانياً وسياسياً للتأكيد على أن أي ترتيبات أمنية لا يمكن أن تمر دون مراعاة موازين القوى وحماية المقاومة.
٣. العامل الحاسم: سباق الانتخابات الأميركية والإسرائيلية واللعب بالوقت الضائع
لا يمكن فصل هذا الحراك الدبلوماسي العاجل في بيروت عن البركان السياسي المستعر في واشنطن وتل أبيب؛ إذ يتحرك الموفدون في “توقيت قاتل” محكوم باستحقاقين بارزين:
- الانتخابات النصفية الأميركية: تسعى إدارة واشنطن الحالية جاهدة لانتزاع أي إنجاز دبلوماسي أو تهدئة مؤقتة على جبهة لبنان والشرق الأوسط لتوظيفها في المعركة الانتخابية الصعبة، وهو ما يدفع حلفاءها الأوروبيين والمنطقة (كفرنسا وقطر) لتسريع وتيرة المبادرات قبل تبدل موازين القوى في الكونغرس.
- الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة: في المقابل، تدرك عواصم القرار أن رئيس الوزراء الإسرائيلي وحكومته يوظفون التصعيد الميداني وأعمال الجرف في جنوب لبنان كأوراق قوة انتخابية رئيسية كسباً لأصوات اليمين. هذا الترابط العضوي يجعل من الساحة اللبنانية صندوق بريد، حيث يسعى الموفدون لفرملة الجموح الإسرائيلي الانتخابي، وتلافي قيام تل أبيب بفرض “أمر واقع” جديد مستغلة الانشغال الأميركي بالانتخابات النصفية.
ماذا يخطط للبنان؟ (خلاصة المشهد)
بين المطرقة الفرنسية الساعية لترتيبات دولية جديدة في الجنوب، والسندان الإيراني المتمسك بالثوابت، والضغط الزمني المرتبط بالانتخابات الأميركية والإسرائيلية، يبدو أن لبنان مقبل على مخاض عسير ترتبط نتائجه بملفين أساسيين:
- اجتماع تامبا العسكري (٢٠ تشرين الأول): حيث سيضع الوفد العسكري اللبناني المطالب الرسمية بوقف التصعيد الإسرائيلي على الطاولة، وهي المحطة التي ستحدد ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية ستنجح في كبح الجماح الإسرائيلي.
- القدرة على حماية السيادة: فالتحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية والجيش يكمن في كيفية بسط سلطة القانون ومنع المظاهر المسلحة داخلياً، دون الانزلاق إلى كمائن الفتنة أو الرضوخ للشروط الإسرائيلية التي تجاوزت مندرجات القرار ١٧٠١.
الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان حراك الموفدين هو بمثابة “مظلة أمان” دولية تقي لبنان الانفجار الكلي، أم أنه مجرد إدارة دولية للأزمة بانتظار تبلور نتائج الميدان وصناديق الاقتراع الخارجية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
