إسرائيلُ تُجهِّزُ شتاءَها داخلَ لبنان
د. علي دربج
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
“ليلة واحدة للوصول إلى مدينة صور، إذا صدر أمر التحرّك”. بهذه الكلمات لخّص مصدر أمني إسرائيلي جاهزية قواته المنتشرة في عمق الجنوب اللبناني.
لكن مهلًا، فهذه العبارة ليست إعلانًا عن قرار بالهجوم، إنّما تكشف كيف تنظر قيادة المنطقة الشمالية إلى مواقعها الحالية: نقاط انطلاق نحو مراكز ثقل “حزب الله”، إلى جانب وظيفتها الدفاعية. أمّا في المناطق الخلفية، فيجري تجهيز مبانٍ داخل القرى للشتاء، فيما يعترف الجيش بأنّ مسيّرات حزب الله الموجّهة بالألياف البصرية ما زالت تواجهه بتحدٍّ بلا حلّ شامل.
أكثر من ذلك، ثمّة تفاصيل يشرحها المصدر الأمني نفسه عن مهمّة لواء المظلّيين الاحتياطي 55، تُظهر وجهًا آخر للاستعدادات الإسرائيلية، فإضافة إلى حديثه عن الإنجازات، تبرز ثلاثة أعباء متداخلة: أرض تحتاج إلى تمشيط، ومواقع قد تتحوّل إلى أهداف ثابتة، وجنود احتياط تستنزف الاستدعاءات المتكرّرة قدرتهم على الاستمرار.
الدفاع عن نهاريا من مجدل زون
في الواقع، إنّ أكثر ما يجدر التوقّف عنده هو التعريف الإسرائيلي الجديد للدفاع؛ فمنذ 7 تشرين الأول، تغيّرت طريقة انتشار الجيش الإسرائيلي، وفق مصادر في المؤسسة الأمنية، فالدفاع عن نهاريا بات يبدأ من بلدة مجدل زون الجنوبية، على عمق 12 كيلومترًا داخل لبنان، بدل التمركز عند الحدود الفلسطينية. ويهدف هذا الانتشار، بحسب المصادر، إلى توفير مساحة أوسع للمراقبة والتحرّك وتنفيذ عمليات هجومية.
اكثر من ذلك، تربط قيادة المنطقة الشمالية — بحسب تقرير للصحافي إليشع بن كيمون، نشره موقع “واينت”، التابع لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، في 4 تشرين الأول 2026 — هذا التمركز بالاستعداد للمناورة المقبلة، إذ ترى أنّ مواقعها عند أعمق امتداد لـ”الخط الأصفر” توفّر نقاط انطلاق نحو مراكز ثقل حزب الله. ويلخّص مصدر أمني تقديره بالقول إنّ “القوات، بمجرّد إعطاء الإشارة، تصبح على مسافة “ليلة واحدة من صور”،
وغنيّ عن التعريف، أنّ الانتشار الإسرائيلي يمتدّ من الحدود اللبنانية ــــ الفلسطينية وصولًا إلى ما يُعرف بـ«الخط الأصفر».
ويوضح المصدر أنّه، بعد أشهر من الضربات والعمليات في العمق، تنتقل القوات إلى نمط يجمع الدفاع الأمامي والنشاط الهجومي، مع استمرار تمشيط الأرض، خصوصًا أنّ احتلال المنطقة كان المرحلة الأولى، أمّا تفتيشها وإزالة التهديدات فيها فهو العمل الأساسي الذي تلا ذلك.
بيوت الشتاء وفخ الحراسة
عمليًا، ما يصلح قاعدة انطلاق قد يتحوّل إلى عبء حراسة، فجيش الاحتلال يستعدّ للإقامة في مجمّعات محميّة داخل القرى، بعد تجهيز المباني بالمولّدات والمكيّفات والمرافق الصحية، فضلًا عن إعداد الطرق مسبقًا خلال فصل الصيف، وبالتالي، فإنّ هذه التفاصيل تمنح الاستعداد للشتاء مضمونًا عمليًا: ترتيب شروط بقاء الجنود وعملهم داخل الأراضي اللبنانية.
في المقابل، يبدي قادة الاحتلال خشيتهم، من أن تطغى الحراسة الروتينية على العمليات الهجومية، عندها تصبح حماية المواقع مهمّة يومية تستنزف الجنود وتتيح استهدافهم، لذلك، تتجاوز المسألة تحصين المباني إلى سؤال عن طبيعة النشاط الذي سيؤدّيه عناصر الاحتلال،
ولهذه الغاية، وبدلًا من إقامة حامية دائمة على المرتفعات، أعادت قوات الاحتلال، انتشارها، وفق الخطة، في مواقع عالية قريبة تتيح لها مراقبة المنطقة واستهداف مقاتلي حزب الله الذين يحاولون العودة إليها.
وانطلاقًا من هذه التجربة، تدرس قيادة المنطقة الشمالية تعميم النهج نفسه على امتداد المنطقة الأمنية، ضمن خطّة انتشار تُسمّى «الخط الرمادي». وتقضي الخطّة بتقليص مجموعات القتال من خمس إلى أربع، كلّ منها بحجم لواء، وتركيزها على مرتفعات تتيح مراقبة المساحات الفاصلة بينها والسيطرة عليها بالنيران.
وبذلك، تسعى إسرائيل إلى تقليل المواقع الثابتة التي يمكن لحزب الله مهاجمتها، مع الحفاظ على قدرتها على العمل في أنحاء المنطقة. لكنّ الخطّة، التي كانت لا تزال تنتظر الموافقة في أيلول (ويمكن أن تكون أُقرت حاليًا)، لا تُلغي خطر التسلّل والهجوم من قبل المقاومة على المواقع المتبقّية.
مسيّرات حزب الله.. تهديد دون حلّ
ضع في اعتبارك أنّ تجهيز المواقع لا يحلّ معضلة السماء المنخفضة. فجيش العدوّ النازي يعدّ المسيّرات المفخّخة والموجّهة بالألياف البصرية تحدّيًا كبيرًا للمناورة المقبلة، ويقرّ بعدم وجود حلّ شامل ومنظّم لها حتى الآن.
صحيح أنّ الاحتلال يعمل على اختبار عدّة أنظمة دفاعية، بعضها ميداني، والبعض الآخر وُزّع على الجنود، غير أنّ التوجيه العملي الأساسي لجنود الاحتلال ما زال اتخاذ التدابير الاستباقية، كالاحتماء الصحيح والكشف والإنذار المبكر.
ورغم الاعتراضات المعلنة لمسيّرات «FPV»، ما تزال الفرقة 91 وقيادة المنطقة الشمالية تبحثان عن معالجة متكاملة لهذا التهديد، لا سيّما أنّ محاولات التصدّي لبعضها لا تعني التوصّل إلى حلّ شامل يحمي القوات من خطرها.
الاحتياط يدخل الشتاء مثقلًا بالأعباء
إضافة إلى ما تقدّم، يتحدّث التقرير عن جيب مجدل زون والمنصوري الذي شكّل تحدّيًا لقوات الاحتلال، والتي احتلت القريتين ودمّرت بنى عسكرية فيهما، كما يتوقّف عند عملية إعادة توزيع الأعباء البشرية الجارية في المناطق الجنوبية المحتلّة؛ فاللواء 55 أنهى 100 يوم من التعبئة، بينها 80 يومًا داخل لبنان، وحلّت محلّه قوات من لواء «بيسلاح» وكتيبة «غيفن» التابعة لدورة الضبّاط، وعلى ذمّة مصادر المؤسسة العسكرية، أمضى نحو 4,500 جندي من لواء المظلّيين الاحتياطي 100 يوم في الخدمة، خلال جولتهم القتالية الرابعة أو الخامسة، بما فيها الأعياد، ولمساندة عائلاتهم، نظّم اللواء أنشطة لها، وتواصل مع الجامعات لتسهيل أوضاع الجنود الطلاب، ووجّه رسائل شكر إلى أصحاب العمل على مراعاة غيابهم.
في المحصلة
قد يُستدعى جنود العدو الذين أنهوا مهمّتهم مجدّدًا عام 2027، وبين قرى مجهّزة للشتاء، واحتياط ينتظر جولة أخرى، ومسيّرات بلا حلّ شامل، تستعدّ إسرائيل لإطالة وجودها وإبقاء خيار المناورة مفتوحًا، لكنّ تجهيز مواقع الانطلاق لا يضمن الوصول إلى صور في «ليلة واحدة»، ولا يحسم الكلفة التي قد تدفعها القوات في الطريق إليها.
