هل تحوّلت بيوتنا إلى فروع لوزارة التربية؟ وهل أصبح الأهل معلّمين بدوام مسائي؟
أميرة الدسوقي | باحثة دكتوراه في العلوم التربوية
بصفتي أمًّا لثلاثة أولاد في مراحل دراسية مختلفة، وباحثة دكتوراه في العلوم التربوية، أجد نفسي يوميًا أمام تساؤل تربوي بات يشغلني كأم وباحثة:
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
متى أصبح البيت امتدادًا إلزاميًا للصف الدراسي؟ ومتى تحوّل دور الأهل من متابعة أبنائهم إلى تحمّل جزء كبير من مسؤولية تعليمهم؟
لم نعد ننتظر وصول أولادنا من المدرسة لنسألهم كيف كان يومهم، بل أصبح السؤال الأول: «شو عنا لبكرا؟»
ولم تعد ساعات المساء مساحة للراحة والحوار العائلي، بل تحوّلت في كثير من البيوت إلى حصص تدريس إضافية، بين واجبات واختبارات وتسميع ومراجعة.
حتى صباحاتنا لم تسلم من هذا الضغط!
نراجع القواعد ونحن نربط شريط الحذاء، ونسمّع المحفوظات ونحن ننتظر الباص، ونذكّر أولادنا بمعلومة قد ينسونها في الامتحان وهم يشربون كوب الحليب.
وكأن العملية التعليمية لم تعد تنتهي عند باب المدرسة، بل تبدأ من جديد عند باب المنزل!
وقد يقول البعض: «اتركوا أولادكم يدرسون وحدهم، فقد أصبحوا كبارًا بما يكفي».
لكن هل هذا الطرح واقعي فعلًا في ظل حجم المتطلبات المدرسية اليومية؟ وهل يستطيع كل متعلم أن يواجه هذا الكم من الواجبات والاختبارات باستقلالية تامة، خصوصًا عندما تتجاوز بعض المهام مستوى المراجعة إلى الحاجة لشرح وتوجيه مستمرين؟
المشكلة ليست في مبدأ الواجب المنزلي بحد ذاته، فأنا لا أعارض الواجبات عندما تكون هادفة ومدروسة وتتناسب مع عمر المتعلم وقدراته.
المشكلة تبدأ عندما يصبح إنجاز الواجبات مشروطًا بوجود أم تحفظ المنهج أكثر من أولادها، أو أب يشرح الدروس، أو أستاذ خصوصي يعيد تعليم ما كان يُفترض أن يتعلمه الطالب داخل الصف.
ولكن هناك إشكالية أخرى أراها لا تقل أهمية عن كثرة الواجبات، وهي الأولويات التي نضعها في مناهجنا التربوية.
فلنسأل أنفسنا بجدية:
ما الجدوى من أن يحفظ الطالب صفحات من المعلومات ليكتبها في الامتحان، ثم ينساها بعد أيام، بينما لا يزال يعاني صعوبة في القراءة السليمة أو الإملاء أو العمليات الحسابية الأساسية؟
إن القراءة والكتابة والرياضيات تشكّل ركائز أساسية للتعلّم، وهي مهارات يحتاجها الطالب في مختلف المواد الدراسية وفي حياته اليومية. فكيف نطلب منه استيعاب كمّ كبير من المعلومات إذا لم نضمن أولًا امتلاكه الأدوات الأساسية لفهمها وتحليلها والتعبير عنها؟
وللأسف، نلاحظ لدى عدد من المتعلمين صعوبات واضحة في القراءة والإملاء والمهارات الحسابية، وهي مؤشرات تستحق اهتمامًا جديًا وتقييمًا علميًا، بدل الاكتفاء بإضافة المزيد من الدروس والواجبات.
وهنا أطرح سؤالًا قد يبدو جريئًا: هل نعلّم أولادنا ما يحتاجون إلى تعلّمه فعلًا، أم ندرّبهم على حفظ ما يحتاجون إلى كتابته في ورقة الامتحان؟
خذوا مثلًا مادة التربية المدنية.
أنا لا أقلّل إطلاقًا من أهمية التربية المدنية، بل أراها من المواد الضرورية لبناء المواطن الواعي والمسؤول. لكن ما الفائدة من أن يحفظ الطالب تعريفات المواطنة والحقوق والواجبات عن ظهر قلب، إذا لم تتحوّل هذه المفاهيم إلى ممارسات حقيقية في حياته؟
ما الفائدة من أن يحفظ معنى الديمقراطية دون أن يتعلّم الحوار واحترام الرأي المختلف؟ أو أن يحفظ حقوق الإنسان دون أن يمارس احترام الآخر؟ أو أن يردّد مفهوم المسؤولية دون أن تتاح له فرصة تحمّلها؟
المشكلة ليست في المادة، بل في الطريقة التي نحوّل بها مواد يفترض أن تكون حياتية وتطبيقية إلى نصوص جامدة تُحفظ للامتحان ثم تُنسى بعده.
وهذا ينطبق على مواد ومضامين أخرى عندما تطغى كثافة المعلومات والحفظ الآلي على الفهم والتطبيق والتفكير النقدي.
لسنا بحاجة إلى إلغاء المعرفة العامة أو اختزال التعليم في ثلاث مواد فقط، بل إلى إعادة ترتيب الأولويات، وتخفيف الحشو والتكرار غير الضروري، وربط ما يتعلّمه الطالب بواقعه وحياته.
فليس المطلوب أن يعرف الطالب معلومات أكثر فحسب، بل أن يمتلك القدرة على القراءة والفهم والتفكير والتحليل وحل المشكلات.
ومن منظور تربوي، لا تُقاس جودة التعليم بعدد الصفحات التي يحفظها الطالب، ولا بكمية الواجبات التي ينجزها في المنزل، بل بمدى تحقق التعلّم الفعلي، وقدرته على توظيف ما تعلّمه خارج حدود الامتحان.
كما أن الإفراط في الواجبات قد يتحوّل من وسيلة لتعزيز التعلّم إلى مصدر للضغط والتوتر داخل الأسرة، وقد يؤثر سلبًا في دافعية بعض المتعلمين وعلاقتهم بالمدرسة.
ولا يمكن تجاهل مسألة العدالة التربوية، فليس كل طفل يمتلك أهلًا لديهم الوقت أو القدرة العلمية أو الإمكانات المادية لتوفير الدعم التعليمي المستمر.
وهنا يصبح نجاح الطالب مرتبطًا، جزئيًا، بقدرة أسرته على تعويض ما لم يتمكن من اكتسابه داخل المدرسة.
ومع مسار تطوير المناهج التربوية في لبنان، أتوجّه إلى وزارة التربية والتعليم العالي والجهات المعنية بتطوير المناهج بدعوة إلى إعادة التفكير في فلسفة التعليم وأولوياته.
نحن بحاجة إلى منهج متوازن يعطي القراءة والكتابة والرياضيات ما تستحقه من اهتمام، ويقدّم سائر المواد بطريقة وظيفية وتطبيقية، بدل إغراق المتعلم بمعلومات تُحفظ مؤقتًا ثم تُنسى.
نحتاج إلى سياسة واضحة للواجبات المنزلية، تجعلها وسيلة قصيرة وهادفة لترسيخ المكتسبات، لا عبئًا يوميًا يستنزف المتعلم وأسرته.
ونحتاج إلى تقييم يقيس الفهم والمهارات والقدرة على التطبيق، لا مجرد القدرة على استرجاع المعلومات.
فالبيت يجب أن يبقى بيتًا، لا مدرسة ثانية. والأهل شركاء في التربية، لا بدلاء عن المعلّمين.
وأخيرًا، لا أحمّل المعلّمين وحدهم مسؤولية هذا الواقع، فهم أيضًا يعملون ضمن مناهج ومتطلبات وضغوط مؤسسية. إنها قضية تربوية تستدعي مراجعة متكاملة تبدأ من فلسفة المنهج، مرورًا بطرائق التدريس والتقييم، وصولًا إلى مفهوم الواجب المنزلي ووظيفته الحقيقية.
نريد لأطفالنا أن يعودوا من المدرسة حاملين معرفة ومهارات حقيقية، لا أن يعودوا حاملين عبء يوم دراسي آخر ينتظرهم في المنزل.
ولعل السؤال الأهم الذي علينا طرحه اليوم ليس: «كم درسًا حفظ الطالب؟ وكم واجبًا أنجز؟»
بل:
«هل أصبح يقرأ أفضل؟ يكتب أفضل؟ يفكّر أفضل؟ يحلّ المشكلات باستقلالية أكبر؟ وهل بقي لديه متّسع من الوقت ليعيش طفولته؟»
فلنُعِد التفكير في مناهجنا، لأن التعليم الحقيقي لا يعني أن نملأ ذاكرة الطالب بالمعلومات، بل أن نبني عقلًا قادرًا على استخدامها.
يسعدني أن أسمع أراء الجميع
