لم يكن ينقص لبنان كرسي. كان ينقصه مَن يقوم عن كرسيّه ويعمل. لكنّنا بدل ذلك أقمنا له احتفالاً، له رعاته وحشده وكلماته وصوره…
في بلدٍ أنهكه الجالسون، وقفنا نكرّم ما يجلسون عليه، كأنّنا نرفع الستارة عن أداة الجريمة، ونطلب من الضحايا أن يبتسموا.
قالوا في المناسبة: إنّه يجلب الفرح… ما أقسى أن يُطلب من الجائع أن يفرح بكرسي، بعدما أكلت الكراسي عمره…
فلو دعوتم الناس إلى حفلة مشاوي، إلى لقمة وجمعة صلحة عَ كأس، لكان الفرح أقلّ بلاغةً وأكثر صدقاً…
لعلّ اللبنانيين، لمرّة واحدة، يأكلون بدل أن يكونوا الوليمة، ويعودون إلى بيوتهم بشيء غير الوعود وصور المتصدّرين في الشاردة والواردة.
لكنّ للكرسي، كما قيل، مهمّة أخرى: أن يجمعنا!.. أفلم تجدوا سوى كرسي؟ هذا الذي بسببه اختلفنا، ولأجله تقاتلنا، وتحت أقدام الجالسين عليه أضعنا أحلامنا ومستقبل أولادنا…والخشية اليوم أن نكون قد افتتحنا مشروع مشكل جديد: مَن يجلس على هذا الكرسي؟ ولأيّ طائفة يعود؟… ثمّ نخوض حرباً كي نثبّت طائفة الجالس، ويصبح للكرسي شهداء بعدما صار له رعاة، ونعود إلى قسمة قاصمة نعرفها جيّداً: لهم المقاعد، ولنا القبور.
ليس موجعاً أن يكون لبيروت عمل فنّي، الموجع أن نرى كلّ هذا الجوع إلى مناسبة، فيما جوع الناس لا يستدعي هذا الحضور…
أن نفتّش عمّا نرعاه لأنّنا لا نجد ما ننجزه… وأن تكفينا صورة توهمنا بأنّنا فعلنا شيئاً. فصرنا نرفع الستائر لأنّ رفع الأنقاض يتطلّب سواعد، ونقصّ الأشرطة لأنّ فكّ عقد الناس يتطلّب عملاً وجهداً وصدقاً ومثابرة… وحين ينتهي الاحتفال، يعود المحتفلون بصور جديدة، ويعود الناس إلى الوجع نفسه، وربّما إلى وجع جديد.
فرجاء، ضبّوا كراسيكم وشمّروا عن سواعدكم، بدل أن تدلقوا خزائن الثياب على أجسادكم لترعوا التفاهات. فالناس لا تحتاج إلى أناقتكم أمام خرابها، بل إلى أيديكم تعمل لإصلاحه…وإن ضاقت بنا المقاعد، فلنفترش الأرض ونحفظ ما بقي منها، فقد خسرنا ما يكفي كي يبقى كلّ واحد منكم على كرسيّه.
فاحفظوا الناس قبل الكراسي، كي لا يصير الخشب نعشاً، إذا صار الوطن مقبرة
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
