“أمل” تحيل إشكاليات الإعلام اللبناني الى طاولة حوار
كتب نذير رضا في المدن :
ثلاث إشكاليات إعلامية وسياسية، استعاد النقاش حولها المؤتمر الاعلامي الأول الذي حمل عنوان: “دور وسائل الاعلام اللبنانية في بناء الخطاب السياسي الايجابي”، ونظّمه المكتب الاعلامي المركزي في “حركة أمل. يمكن استنباط الاشكاليات في دور الاعلام في مشهد سياسي معقّد، وموقعه بين الاصطفافات السياسية والطائفية، وقدرته على تقديم محتوى يحاذر الانزلاق الى الألغام اللبنانية، وتفضي جميعها الى “خطاب إعلامي إيجابي وطني بعيداً من المقاسات الحزبية والطائفية والمذهبية والمناطقية والشعبوية”.
يتفق عشرات المتحدثين من ممثلي البرلمان والحكومة ووسائل الاعلام والقوى السياسية والحزبية، كما الأكاديميين والناشطين، على ضرورة إبعاد الإعلام عن التجاذب السياسي والفئوي والطائفي. هو كلام وحدوي مطلوب، ودعوة مستمرة للحوار، وينطوي على مسعى مستمر لتحويل الاعلام الى أداة حوارية فاعلة، لا ذراعاً ولا بوقاً ولا صندق بريد.. لكنه في الموقع نفسه، لا يستطيع تجاوز إطار التوصيف للمشكلة، الى إطار تقديم الحلول والبدائل.
الاستقلالية المالية واختلاط المفاهيم
ومردّ هذا الاستنتاج، رغم المسعى الهادف لمؤتمر جامع من هذا النوع، يعود الى أن أصل المشكلة واقع في شقين. استقلالية وسائل الاعلام المادية، وهو الأمر المُحال الآن في ظل الظروف الاقتصادية والمالية الضاغطة وانحسار الكعكة الاعلانية وتشظي الإعلام بين المحاور، كرجع صدى للانقسامات السياسية والأجندات الفئوية المطروحة على الشاشات وفي مواقع التواصل.. وثانيهما، اكتشاف اختلاط المفاهيم الاعلامية لدى جزء من الاعلاميين أنفسهم، مثل النقاش حول الإعلام الرسمي والاعلام العام.
ومشكلة الإعلام في لبنان التي لا ينكرها عشرات المتحدثين، أنه “تلَبْنَن” في مطلع التسعينيات، ضمن سياق المحاصصة بين الطوائف، ولم يستطع الخروج من هذا الكادر، ليتحول، تالياً، الى مشكلة من مشكلات النظام القائم، الرافض لدولة مدنية بالكامل، تلتزم الخروج من الطائفية الى دولة علمانية بالممارسة لا بالاسم فقط. وقد يكون ذلك، الجزء الأبرز من النقاش الذي تم توصيفه، ووضع الاصبع على جرحه، بخلاصة وزير الاعلام الاسبق طارق متري في الجلسة الثالثة: “نداوي الطائفية بالطائفية”.
والحال إن مشكلة من هذا النوع، مضافة، حكماً، الى مشكلة غياب قانون موحد للاعلام، وفشل مبادرة البرلمان، منذ أن حاول رئيس لجنة الإدارة والعدل الراحل، النائب روبير غانم في العام 2002، اجراء تعديلات بنيوية في قانون المطبوعات لعصرنته وتوسعته، يتفق عليها جميع المتحدثين من اعلاميين وسياسيين حاليين وسابقين ومسؤولين حزبيين. لم تجد السلطات، على مدى السنوات السابقة، حلاً لها، كون الزمن أسرع من النقاشات في اللجان البرلمانية أو أروقة مجلس الوزراء، ما يضطرهم للتعديل…
ويشبه هذا الفشل، الى حد بعيد، العجز عن تأمين الدعم الحكومي لوسائل الاعلام عبر 35 باباً، وهو مقترح تم تقديمه في العام 2006، ولم ينتهِ الى نتائج مرجوة، كما أعلن نقيب محرري الصحافة جوزيف القصيفي. عليه، فشل لبنان في تحرير وسائل الاعلام من ضغوط الممول وشروطه وأجنداته، وفشل في تحويل معظم الإعلام الى مضمون “لا يقلق الجماعات اللبنانية”، أو “يحترم خصوصية حق الاعتقاد”، أو يطمئن المهمشين والمكتومة أصواتهم.. وفشل في وضع سياق جديد لا يقدم الرأي على الخبر، ويحاذر الإسقاطات الطوائفية في المعالجة السياسية، ويشيطن المذاهب، خلال عملية شيطنة المشاريع السياسية.
تمثّل هذه الآفات، على عمق آثارها، مشكلة جوهرية باعتراف الجميع، ولا يمكن الخلاص منها الا بالحوار المضني، تلك الميزة التي أتاحها النظام اللبناني، رغم علاته، لكنها باتت دافعاً دائماً لتفعيل التواصل، وهو ما نجح الدكتور رامي نجم في تكريسه خلال تنظيم هذا المؤتمر، باعتراف السياسيين وممثلي الاحزاب الذين لا يلتقون في السياسة، ويتعذّر لقاؤهم في المؤسسات الرسمية إثر الانقسامات السياسية، وتواجدوا على منصة واحدة.
توصيات
أوصى المؤتمر في ختام جلسات امتدت على يومين، بالتوصيات التالية:
1. لمّا كان الإعلام أحد أبرز الأسلحة في الصراعات القائمة بين مختلف الأطياف والأحلاف في العالم، وبما أن لبنان جزء لا يتجزأ من هذا العالم، ومركز ثقل سياسي واستراتيجي، لذا فمن الضروري جداً أن يلتزم الاعلام اللبناني بالخطاب الوحدوي الذي يجمع، وبالخطاب الوطني الذي يزيدنا تمسكاً بأرضنا وبالخطاب القومي الذي يحفظ إرثنا وتاريخنا والابتعاد عن كل خطاب طائفي تقسيمي تحريضي تضليلي، لأن لبنان بطوائفه وأطيافه وبمساحته الصغيرة لا يحتمل إلا أن يكون واحداً موحداً ليكون وطناً نهائياً لجميع أبنائه.
2. تبني خطاب وطني ينطلق من مبدأ وحدة لبنان واحترام دستوره والحفاظ على سلمه الأهلي وحقه المشروع في استعادة أراضيه والتصدي للعدوان الاسرائيلي، وتمتين العلاقات الأخوية مع الأشقاء العرب لا سيما العلاقات المميزة مع سورية.
3. ضرورة تعزيز الشراكة بين المدارس الأكاديمية المتخصصة في الإعلام والمؤسسات الاعلامية لبناء جيل إعلامي قادر على مواكبة احتياجات سوق العمل المتغيرة.
4. دعوة الأحزاب اللبنانية لتثقيف جمهورها على حسن إستعمال وسائل التواصل الاجتماعي بحيث يكون التعبير السياسي أخلاقياً بعيداً من الشتائم وإثارة النعرات الطائفية.
5. تعزيز مفهومي التنشئة السياسية الوطنية والتربية الإعلامية، بما يتيح إعداد جيل لبناني يشكل نواة الدولة المدنية في لبنان.
6. وضع معايير للبرامج الحوارية تحترم الضيوف وتبتعد عن الإهانات والإزدراء للأشخاص، وإعداد مدونة سلوك للمحاورين في هذا الإطار تمنع التحيز وتضع مقاييس لثقافة المُحاور.
7. خطاب إعلامي إيجابي وطني بعيداً عن المقاسات الحزبية والطائفية والمذهبية والمناطقية والشعبوية، ورفض الفئوية والتحريض، والبدء بالعمل من داخل المؤسسة الاعلامية نفسها.
8. إقرار قانون جديد موحد وشامل للإعلام بما يتناسب مع خصوصية المجتمع اللبناني ويواكب الثورة التقنية في العالم، ويكون المرجعية الوحيدة للقطاع وتجري مواكبته من قبل هيئة تحديث القوانين.
9. إلتزام مبدأ حرية الانسان والحفاظ على كرامته.
10. توحيد مرجعية المساءلة للإعلاميين فتكون أمام محكمة المطبوعات في كل ما يتعلّق بمخالفات النشر.
11. تسليط الضوء على القضايا الوطنية المحقة وفي مقدمها متابعة قضية تغييب الإمام القائد السيد موسى الصدر ورفيقيه.
12. التأكيد على أن الحوار هو ركيزة لاستقرار الحياة السياسية، وتلقف دعوات دولة الرئيس نبيه بري المتكررة بضرورة سلوك طريق الحوار ثم الحوار ثم الحوار.
13. تم الإتفاق بين ممثلي الأحزاب اللبنانية على عقد لقاءات دورية للعمل على متابعة تنفيذ توصيات هذا المؤتمر على غرار الإجتماعات المستمرة بين ممثلي كليات الإعلام في لبنان.
