بين اغتيال سليماني والعاروري والحرب الممنوعة\ د. محمد حسن خليفة
في الثالث من كانون الثاني من العام 2020، أقدمت القوات الأميركية على اغتيال القيادي البارز في الحرس الثوري الإيراني، وقائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني في المحيط الخلفي لمطار بغداد الدولي، واستشهد معه نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس، وعدد من المرافقين العراقيين والإيرانيين، يومها، انتظرت المنطقة ومعها العالم، توسّع رقعة الخلاف بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ما يهدد بحرب شاملة في المنطقة، ومعظم التحليلات ركزت على أهمية الشخصية التي تم اغتيالها، وما تمثله بالنسبة لمحور المقاومة، خصوصاً أن قاسم سليماني كان له الدور البارز في نجاح المقاومة في الصمود والانتصار في حرب تموز 2006، كما أدواره في العراق وسوريا، كما أن اللواء سليماني يعتبر الرجل المهم في سياسات طهران الخارجية، والمهندس الأمني لكل ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط.
بعد حادثة الاغتيال أطل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على العالم، ليروي تفاصيل عملية الاغتيال، والضربة التي نفذتها طائرة مسيرّة قرب مطار بغداد والتي “هزت العالم”، وقال: “كان يسود اعتقاد بأنه لا يُهزم”، وأنه تابع العملية من الولايات المتحدة الأميركية، وأشار إلى أنه “ضرب عصفورين بحجر واحد”، أي سليماني والمهندس، ورغم إقراره بأن الضربة “هزت العالم”، فإنه أكد أن سليماني كان يستحق هذه الضربة القاسية لأنه كان شريراً، لقد قتل آلاف الأشخاص وآلاف الأميركيين”.
ورغم كل التوقعات بأن الحرب واقعة لا محالة، إلا أن الرد كان متقطعاً وفي مناسبات عديدة، ومرّ على الحادثة حوالي أربع سنوات، والحرب الموعودة لم تقع، وظلت قواعد الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً في الساحة العراقية مضبوطة إلى حدّ ما، وتوالت الأحداث التي تتعلق بالطرفين بطريقة مباشرة وغير مباشرة، لكنها لم تؤدي إلى نشوب حرب في المنطقة، بين المحورين، التابعين لواشنطن وطهران.
في الثاني من كانون الثاني من العام 2024، ولعلها أكثر من مصادفة، أن تتم عملية اغتيال القيادي في حركة حماس صالح العاروري وقادة آخرين من الحركة، عشية الذكرى السنوية الرابعة لاغتيال اللواء قاسم سليماني في العراق، وكما لرمزية المكان الذي اغتيل فيه سليماني، فإن الرمزية مضاعفة لاغتيال العاروري، بحيث أن الطائرة المسيّرة التي اغتالته مع رفاقه، نفذت عملية الاغتيال في الضاحية الجنوبية، المعقل الرئيسي والساحة الأمنية الخالصة للمقاومة، كما أن التوقيت جاء في غاية الأهمية، فجاءت عملية الاغتيال في ذروة الحرب الكبرى في قطاع غزة، رداً على عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول من العام 2023، التي نفذت بحرفية عالية من قبل كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، وأدت إلى مقتل المئات من جنود الجيش الإسرائيلي والمدنيين، والعشرات من الأسرى، كما أن الاجتياح البري شكل سابقة في المجازر التي ارتكبت، والتي راح ضحيتها أكثر من عشرين ألفاً من المدنيين، معظمهم من الأطفال والنساء، وأكثر من خمسين ألف من الجرحى والمفقودين، إضافة إلى عمليات القصف المتواصل بمختلف أنواع الأسلحة، التي دمرت معظم مناطق قطاع غزة، ولا زالت الحرب دائرة، وليس هناك من مؤشرات على قرب وقف إطلاق النار، بالرغم من استنزاف قدرات جيش العدو الإسرائيلي، كما قدرات حركة حماس، التي لا زالت تكبّد العدو خسائر كبيرة، في إشارة إلى الصمود الأسطوري بوجه آلة الحرب، المدعومة بشكل علني من الولايات المتحدة الأميركية، بحيث يتم تزويد الجيش الإسرائيلي بمختلف أنواع الأسلحة المتطورة والفتاكة، كما أن الصواريخ لا زالت تتساقط على مناطق عديدة في فلسطين المحتلة، ما يؤكد صعوبة خضوع أي من الطرفين ومن ورائهما للاستسلام.
بعد عملية طوفان الأقصى، توجهت الأنظار إلى الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، بحيث بدأت المقاومة في اليوم التالي للعملية، بالقيام بعمليات على المواقع العسكرية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة، وقيام العدو بالرد على تلك العمليات باستهداف مراكز المقاومة على طول الحدود الجنوبية للبنان، سرعان ما توسّعت رقعة الاشتباك بين الطرفين، على وقع الميدان في قطاع غزة، بهدف مساندة الفلسطينيين، وإشغال الجيش الإسرائيلي، عبر تعزيز تواجده بفرق عسكرية كبيرة، والتي هدفت المقاومة من ورائها تخفيف الضغط على قطاع غزة، وعدم الاستفراد بحركة حماس لتدمير قوتها العسكرية، والقضاء عليها وتقويض سلطتها داخل القطاع، تمهيداً لوضع شروط اليوم التالي بعد الحرب، وطرح العديد من السيناريوهات المتعلقة بمن يحكم غزة بعد حماس، وبالرغم من استمرار علميات المقاومة وأهدافها ، إلا أن تلك العمليات لم تؤدي إلى وقف إسرائيل لحربها على غزة، بل زاد من وتيرتها وهمجيتها وعدوانها، لتحقيق الهدف الأساسي من الحرب، وهو القضاء على حماس واستعادة الأسرى، كل ذلك لم يحجب الأنظار عن الحرب الدائرة في الجنوب، وتضييق وتوسيع رقعتها حسب أهداف الطرفين، بحيث يتم أحياناً تخطي قواعد الاشتباك، وضرب العدو للعمق اللبناني، وقيام المقاومة بالرد على ذلك بضرب عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة.
جاءت عملية اغتيال القيادي في حركة حماس صالح العاروري، في ذروة الحرب الدائرة في غزة وجنوب لبنان، وفي معقل المقاومة في الضاحية الجنوبية، وعشية الخطاب المقرر للسيد حسن نصر الله اليوم، فهل نقترب من الحرب التي تجهد كل من طهران وواشنطن لوقوعها؟ أم أن قواعد الاشتباك لا زالت تحتمل المزيد من توسّع رقعة الاشتباكات، دون إنهاء العمل بتلك القواعد؟ هل سيعلن السيد حسن الرد المباشر في لحظة الخطاب، عبر ضربة موجعة تعيد الاعتبار لموقع الضاحية كساحة رئيسية للمقاومة، وخزانها البشري، وأمنها المتماسك، الذي تعرض لنكسة كبيرة جراء استهداف صالح العاروري في شقة بالضاحية الجنوبية؟ هل ستنقلب قواعد اللعبة بما يخبؤه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مدير الحرب التدميرية على قطاع غزة ولبنان؟ وهل ستسمح الولايات المتحدة الأميركية بتغيير رؤيتها بمنع وقوع حرب في المنطقة، تهدد مصالحها الحيوية والاسترتيجية، وأيضاً تنسف اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وما حققته إسرائيل من أمان واطمئنان لاستخراج الغاز الطبيعي، والمضي قدماً في التعويض عن النقص في الإمدادات الروسية للدول الأوروبية بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية؟
كل الدلائل تشير إلى الحرب القادمة في المنطقة، لكن الحكمة الإيرانية والمصالح الأميركية، والاعتبارات الداخلية اللبنانية، قد تمنع نشوب الحرب، التي ستكون مدمرة، وإلا تكون جميع الأطراف عجّلت من الحرب الكبرى، وكلفتها الباهظة التي قد تفرض على جميع اللاعبين وقف تلك المغامرة، والعض على الجراح بعد عملية الاغتيال الجرئية في الضاحية الجنوبية.
كما لم تقع الحرب في المنطقة بين قوى طرفي الصراع الأميركي والإيراني، بعد اغتيال اللواء قاسم سليماني، وبالرغم من التفاوت في ظروفها مع عملية اغتيال القيادي في حركة حماس صالح العاروري، فإن العقلانية قد تمنع امتداد رقعة الاشتباك، وحصول الحرب الكبرى، التي لن تعرف مدتها أو نتائجها من الآن، لكن في حال وقوعها، فإن التجربة في قطاع غزة، وصمود حركة حماس إلى هذه اللحظة، بعد حوالي ثلاثة أشهر على الحرب، تعلّمنا أن إمكانية صمود المقاومة في لبنان ستكون بمستوى أعلى، وأن الانتصار قد يكون مكلفاً، لكن الأرض المقاومة دائماً ستنتصر.
3 كانون الثاني 2024
