جامعة الدول العربية ومقاومات الشعوب العربية
لم تُقصّر أو تتأخر الشعوب العربية في مقاومة الاستعمار خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث شهدت العراق وسورية ولبنان وفلسطين والمغرب ومصر، انتفاضات وثورات نادت بالاستقلال عن المحتلّين من الجيوش الغازية، حتى تحقق ذلك لبعضها، مستكملًا ومواكَبًا بالوعي الذي دعا إلى الوحدة العربية، تمهيداً للتخلّص التام من السيطرة الاستعمارية والتبعية للأجنبي، ورغبة قوية لدى الدول العربية المستقلة بجمعها بكيان واحد، يساعد شعوبها على نيل استقلالها من الاستعمار، فكانت فكرة جامعة الدول العربية التي أُقرَّ ميثاقها بالإجماع في التاسع من آذار 1945 بحضور ممثلي مصر، سوريا، لبنان، العراق، الأردن والسعودية، ووقّعت اليمن على الميثاق في صنعاء في الخامس من أيار وأصبح نافذًا في العاشر من أيار 1945. وقد اعتُبِرت الجامعة منظّمة حكومية دولية، وسياسية إقليمية تهدف إلى تعزيز التعاون والتنسيق والتكامل بين الدول العربية. كما وهي أداة لدعم الروابط التاريخية المختلفة، التي تربط هذه الدول بعضها بالأخر، واحترام سيادة الدول الأعضاء.
ومن أبرز الأهداف التي أُنشِئت من أجله هو تحقيق الوحدة العربية، المحافظة على أمن المنطقة العربيَّة، توثيق الصِّلات بين الدُّول المُشترِكة وتَنسيق الخطط السِّياسية لَها، كما تَسعى الجامعة لتحقيق التعاون في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والصِّحية والثَّقافية. بالإضافة إلى اعتبار فلسطين ركنًا مهمًا من أركان البلاد العربية، ودعوة العرب إلى تأييد عرب فلسطين وصون حقوقهم العادلة، كان من أهم المبادئ التي تضمّنها بروتوكول الإسكندرية الرئيسية للجامعة العربية.
وبتاريخ 18 حزيران من العام 1950 وقعت الجامعة العربية معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية في القاهرة، حيث أنشأت المعاهدة منظمتين رئيسيتين للجامعة العربية، هما مجلس الدفاع المشترك والمجلس الاقتصادي والاجتماعي.
ومن أبرز ما جاء في بنود المعاهدة، هو:
- إعداد الخطط العسكرية لمواجهة جميع الأخطار المتوقعة أو أي اعتداء مسلّح يمكن أن يقع على دولة أو أكثر من الدول المتعاقدة أو على قواتها وتستند في إعداد هذه الخطط على الأسس التي يقررها مجلس الدفاع المشترك.
- تقديم المقترحات لتنظيم قوات الدول المتعاقدة ولتعيين الحد الأدنى لقوات كل منها وفقًا لما تمليه المقتضيات الحربية وتساعد عليه إمكانيات كل دولة.
- بحث التسهيلات والمساعدات المختلفة التي يمكن أن يطلب إلى كل من الدول المتعاقدة أن تقدمها وقت الحرب إلى جيوش الدول المتعاقدة الأخرى العاملة في أراضيها تنفيذاً لاحكام هذه المعاهدة.
كما نصَّ البروتوكول الإضافي لمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية وملحقها العسكري بأن يعتبر أي عدوان على أي دولة موقعة على البروتوكول عدواناً على باقي الدول وأي مساس بدولة من الدول الموقعة على البروتوكول مساسًا صريحًا بباقي الدول الموقعة على البروتوكول.
والسؤال الذي يُسأل هنا بعد الحرب الهمجية والعدوانية الإسرائيلية بوحشيتها وغطرستها وجبروتها على الشعب الفلسطيني منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وما ترتكبه من جرائم ضد الإنسانية بحق الشيوخ والنساء والأطفال، وتدمير ممنهج للمستشفيات والمؤسسات الصحية والثقافية والإعلامية والتعليمية والاجتماعية والدينية على اختلافها من دون هوادة أو رحمة منتهكة كل القوانين والأعراف الدولية ومن دون رادع أو حسيب دولي، كما بغياب الدعم العربي المطلوب للشعب الفلسطيني تطبيقًا وعملًا بميثاق الجامعة العربية ومبادئها واتفاقياتها ومعاهداتها.
فأين الجامعة العربية من المحافظة على أمن المنطقة العربية؟
أين الجامعة العربية من اعتبارها لفلسطين الركن الأساسي للبلاد العربية؟
أين الجامعة العربية من دعوتها العرب لصون حقوق الشعب الفلسطيني العادلة؟ وأين هم من إعداد الخطط العسكرية لمواجهة الأخطار القائمة؟
ألا يجدر بالجامعة العربية أن تقاطع العدو الإسرائيلي وتقف صفًا واحدًا لمواجهته، إن لم يكن عسكريًا فاقتصاديًا وسياسيًا على الأقل.
ألا يجدر بالجامعة العربية أن تقدم شكاوى ودعاوى قضائية ضد العدو الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية لارتكابه جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة ومقاضاته على جرائمه المرتكبة ضد الفلسطينيين بديلًا من دولة جنوب أفريقيا التي كانت سباقة في هذا المجال؟
هل غابت الجامعة العربية عن قضيتها الأساسية والمركزية، أو غُيّبت واستُبعدت عن ساحات قتال العدو الإسرائيلي؟ وهل استبعدت نفسها عن تقصير بالإمكانات أو خوف من التضحيات؟
لماذا تغيّبت بعض الدول العربية وحلَّ مكانها مقاومات الشعوب العربية المتمثِّلة بالمقاومة الشجاعة في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن وغيرها من الدول التي تسير على خطاها وبذل الغالي والنفيس وتقديم التضحيات الجسام من أجل القضية الفلسطينية بالرغم من الإمكانات المحدودة.
فما هي الأسباب التي حالت دون فعالية الجامعة العربية
لم تكن الجامعة العربية يومًا على مستوى الطموح لتحقيق الوحدة العربية، ولم تتمكن من الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية بشكل فعّال من أجل تحرير الأرض وقيام الدولة، ولم تقدر على تسوية المنازعات الناشئة بين الأشقاء العرب. فعلى مر السنين، أعاقت فعالية جامعة الدول العربية وأعاقت عملية اتخاذ القرارات المرجوة عدة عوامل، أبرزها:
- الافتقار إلى الوحدة والانقسامات العميقة بين الدول الأعضاء، بسبب تعدد الأنظمة السياسية، والإنتماءات الدينية والمصالح الجيوسياسية المختلفة.
- الافتقار إلى السلطة القادرة على إنفاذ قراراتها بشكل فعال، كون القرارات التي تتخذها جامعة الدول العربية غير ملزمة وتتطلب موافقة فردية من الدول الأعضاء.
- تأثيرات التدخلات الخارجية للقوى الدولية والإقليمية على فعالية الجامعة، وذلك من خلال دعمها دولًا معيّنة أو مجموعات إثنية أو حزبية في هذه الدولة أو تلك.
- تضارب المصالح الوطنية، وبالتالي إعاقة صنع القرارات الفعّالة للأزمات القائمة.
- الصراعات الإقليمية وعدم الاستقرار في المنطقة، والتدخلات من هنا ومن هناك، زادت من الاختلافات والتوتّرات والانقسامات الحادة بين دول الجامعة.
ما نتطلع إليه وما ترغب به الشعوب العربية هو القيادة الرشيدة والرؤية الاستراتيجية، كما تجاوز الخلافات السياسية، والنزاعات الإقليمية، والالتفاف حول القضية الفلسطينية، وتقديم كل أشكال الدعم لنضالات ومقاومات الشعوب على اختلافها والوقوف صفًا واحدًا في وجه الاحتلال والاستعمار والغطرسة الصهيونية المتمثلة بالعدو الإسرائيلي حتى تحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة.
العميد الركن م. صلاح جانبين
