بالشّهداء، ليلُ النبطية مستضاء./ نادين خزعل.

نائب رئيس التحرير | كاتبة ومحررة أخبار
إنتصف النهار، شرد حسين من نافذة منزله نحو الأفق، السماء ملبدة بالغيوم، وهذا الصوت الذي يهدر يشبه صوت الرعد، إقترب منه شقيقه أمير، الخطوات الأولى، والكلمات الأولى، لعل حسين خاف، لعل أمير إبتسم، لعل الأم كانت في المطبخ تطهو أو تحضر زجاجة الحليب للصغير، لا أحد يدري…
إستخرِج يا حسين من النص الحقل المعجمي للحرب: إعتداء، مسيرة، غارة، وحشية، دماء، شهداء، إرتقاء..
أحسنت…ممتاز…ولكن النص ليس سردًا من ضمن السياق، ولم يتح الوقت لحسين ليكتب إجابته، استشهد حسين واستشهد شقيقه أمير واستشهدت والدتهما روعة، باكرًا، قبل أن يكبر الصغيران، قبل أن تكتمل أحلامهما، نجت من الموت شهادة الشهيد : شهادة حسين المدرسية.. اختلطت دماؤه بحبر معلمته الأحمر، في تلك الشهادة دُوّن: الثاني، ممتاز ولكنك اليوم يا حسين مع أخيك وأمّك وكل الجنوب الأوائل….
وبينما كانت الصوانة تلملم جراحها وبعيد ساعات من المجزرة الإسرائيلية، شق دوي سكون الليل في النبطية، آلة القتل الهمجية سلطت عناقيدَ حقدها على المنزل الآمن الذي نُزِحَ إليه..
حسين برجاوي، وعلى خطى الحسين، هنا النبطية، هنا كربلاء بتوقيت الموت، هنا الشهادة بتوقيت الكرامة، هنا الصغار ينامون ولا يستيقظون، هنا الأبناء يستشهدون ومعهم الأم والأب والجد والجدة والخال والخالة….
حسين أحمد ضاهر برجاوي استشهد ومعه زوجته أمل محمود عودة،ابنتاه أماني وزينب وابنها محمود علي عامر، أخته فاطمة،و إبنتها غدير عباس ترحيني…
نجا آخرون كانوا في المنزل، وانتشل الصغير حسين عامر حيًّا، كان المشهد داميًا كوجه حسين المدمّى….
شهداء الجنوب، ويوم أمس كان كلّه غروب، وحدهم، وجوههم كانت لآلئ أنارت الدّجى، كانت قرابين صمود، كانت أيقونات كرامة، إرتوي يا أرض، وخذ يا رب حتى ترضى، والموت الزاحف لا يخيف، والموت المتربّص لا يُستهاب…..
شهداء أحياء، لعلهم السابقون ونحن اللاحقون، ولن ننساكم، ولن تصبحوا مجرد أرقام، وسنبحث بين الركام عن ذكرياتكم وسننبش من الردى رداء أحلامكم الموؤودة وسننسج منها أثواب الكرامة لنرتق عري أمة متخاذلة، من فلسطين إلى لبنان، تعددّ الشهداء وذابح الأطفال واحد، وناحر الأمهات واحد، والمتخاذل واحد، والمقاوم واحد……..
14 شباط 2024….
ليل الجنوب استضاء بالشهداء.
