حاجز حربتا البقاعي: ضرورة أمنية ولكن!
الفريق:نادين خزعل-زينب الحاج حسن -لينا رشيد.
ليل الثلاثين من أيلول 2023 توقف الزمن عند عتبة سوداء في منزل نجيب رباح إبن بلدة اللبوة البقاعية، يعود بالذاكرة أحد أقارب نجيب إلى ذلك “اليوم الأسود” على حدّ وصفه، ويروي لشبكة “ZNN” الإخبارية ما حدث: كان نجيب مع رفاقه في نزهة إلى بلدة اللبوة، وفجأة ظهر أمامهم ثلاثة أشخاص تابعين “وفق قريب نجيب” لأحد الأجهزة الأمنية وراحوا يطلقون عليهم النار فتوفي نجيب على الفور واقتيد رفاقه إلى ثكنة عسكرية.
يتابع قريب نجيب: ” أي ذنب ارتكبه نجيب لتتم تصفيته بهذه الطريقة؟ لقد علمنا من شهود عيان أنه تم التنكيل بجثمانه والدوس عليه وضربه من قبل أشخاص كانوا يرتدون البزة العسكرية، ونحن حينها أصدرنا بيانًا بإسم العائلة طالبنا فيه بكشف ملابسات هذه الجريمة النكراء والسؤال هو: هل أصبح عناصر الجيش منفذي عمليات تصفية؟”
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في الوقائع، وفق بيان قيادة الجيش فإن نجيب ورفاقه لم يمتثلوا لطلب عناصر حاجز ظرفي للجيش قرب حاجز حربتا بالتوقف، فأطلق عليهم العناصر النيران التحذيرية اولًا ثم لإيقافهم ثانيًا فأصيب نجيب وتم نقله إلى المستشفى ليتوفى لاحقًا.
في هذا الإطار تواصلت شبكة “ZNN” الإخبارية مع مصدر أمني روى لها ما حدث يومها قائلًا إنّ سيارة “مفيّمة” لم تمتثل لأوامر حاجز طيار قرب حاجز حربتا بالتوقف، فلحقت بها آلية تابعة للجيش، فما كان من أحد الموجودين في السيارة برفقة نجيب إلا أن ترجّل وراح يطلق النار على الجيش، والجيش بدوره ليدافع عن نفسه ردّ بالمثل وقُتل الشاب “نجيب رباح” برصاصة أصابته عن طريق الخطأ. هذه الحادثة تعيد إلى الأذهان السؤال عن سبب إقامة هذا الحاجز وتشديد الإجراءات عليه.
حساسيّة حاجز حربتا .
جغرافيًّا، يقع حاجز حربتا في البقاع، وهو بحكم موقعه قد تحول إلى نقطة فاصلة في عملية ضبط التهريب بين لبنان وسوريا سيما وأن الأراضي هناك بمعظمها متداخلة بين البلدين وتحتوي على كم هائل من المعابر غير الشرعية.
حساسية الحاجز وموقعه حولاه أحيانًا إلى ساحة حوادث أمنية جعلت حكايته “كإبريق الزيت”. فسمعته بنظر البعض سيئة لأسباب عدّة منها كونه ساحة مواجهة دائمة محتملة بين العناصر الأمنية والمارة غالبًا ما تنتهي بتبادل لإطلاق النيران، في حين أن البعض الآخر ممن يعرف طبيعة المنطقة التي يقع فيها الحاجز جغرافيًا ولوجستيًا واجتماعيًّا وأمنيًّا يدرك أنّ الحاجز عشريّ الأبعاد وأن المهمة التي يضطلع بها ليست كباقي المهمات في بلد يتداخل فيه الأمن مع السياسة مع العشائرية مع الطائفية وسطوة الأحزاب..
وجهة النظر الأمنية حول أحداث الحاجز
تقول مصادر أمنية مطلعة أن “حاجز حربتا” هو أهم حواجز البقاع الذي يضبط المخلّين بالأمن والقانون كما أنه يلعب دورًا مفصليًّا في موضوع التهريب، إذ أن المخدرات في البقاع ككلّ شكلت لفترة زمنية طويلة قضية شائكة، وتتابع المصادر الأمنية قولها عبر شبكة “ZNN” إن القوى الأمنية حققت نجاحات مميزة، وقد تمكنت بفضل هذا الحاجز من تفكيك العديد من العصابات وتوقيف رؤوس مدبرة خطيرة مشددة على أهمية التقرب من الناس والعشائر والبقاء على تواصل معهم.
أما فيما خص توصيف سمعة الحاجز بال “دموية” فتقول المصادر الأمنية عينها أنّ الأمر بلغ حد إطلاق أبناء المنطقة إسم “المعبر” عليه، مشيرةً إلى أنّ انزعاج البعض من المهمّات التي يؤديها الحاجز وتسببه بقلق المخالفين للقانون هو تأكيد ضمني على نجاحه.

في المقابل، لا تُخفي المصادر الأمنية حدوث أخطاء معينة أحيانًا عند الإشتباه بأن أحد المارة هو مطلوب للعدالة فيتم التعامل معه على هذا الأساس، قبل أن يخيب الظن بذلك ويكون قد حدث ما لم يكن بالحسبان، وتضيف: “نحن أحيانًا نتحمل كامل المسؤولية وننقبل أن يسود جو عام يقول بأن الجيش قتل فلانًا ولا نعلن عن كل التفاصيل تلافيًا لوقوع مشاكل شخصية بين عائلتين أو أكثر وتجنبًا للمزيد من الإشكالات، أما عندما يُطلق النار على الجيش فإن ذلك يعني وجود شيء مريب، لذلك يردّ الجيش بالمثل وله الحق بذلك، ولا ننكر وجود بعض الأخطاء علمًا بأن العسكري المخطئ يُحاسَب وبشدة، وتبدأ المحاسبة من رأس الهرم ولكن هذه التدابير لا يتم الإعلان عنها إعلاميًا”.
بأيّ حال فإنّ القوانين في لبنان ليست مطبقة بشكل كامل بحسب المصادر وهذا واقع لا يمكن تجاهله، و تطبيقها محكوم بالتدخلات السياسية والحزبية والعشائرية لأن توقيف المطلوبين ليس من مصلحة البعض، و قدرات الجيش أحيانًا تكون محدودة ولا يستطيع ضبط الوضع بشكل كامل لجهة التجهيز والانتشار.
بحسب وجهة النظر الأمنية، لا بد من فرض الهيبة الأمنية بقساوة أحيانًا للحدّ من الفلتان الأمني خصوصًا في منطقة البقاع، لذا تبقى خصوصية حاجز حربتا مختلفة عن غيره على الرغم من وجود بعض التحفظات الأمنية، كون الهدف يبقى بسط الأمن بشكل كامل وعدم مخالفة القوانين.
آراء فعاليات المنطقة
رغم تحفظات البعض يرى محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر عبر “شبكة ZNN” الإخبارية أن حاجز حربتا هو حاجة أمنية، وقد ساهم بالفعل في الحد من عمليات التهريب بسبب موقعه أولًا وبسبب صرامة الجيش في التعاطي مع المطلوبين ما سهل توقيف العديد منهم كما أعاق حركة الكثيرين. وتابع خضر: نحن على تنسيق دائم مع الجيش الذي يقوم بواجبه على أكمل وجه ويضعنا في أجواء إجراءاته وإنجازاته وذلك عبر اجتماعاتنا الدائمة في مجلس الأمن الفرعي.
في المقابل يرتبط حاجز حربتا بمشهدية قتل متكررة بالنسبة لبعض فعاليات المنطقة. يقول “م. المولى” إبن البقاع لشبكة ZNN الإخبارية: ” حاجز حربتا لازم ينشال”، الكثير من أبنائنا قُتلوا، بغض النظر إن كانوا مطلوبين أو مخطئين أو مذنبين ولكن لا يجب بمطلق الأحوال تنفيذ أحكام ميدانية بحقهم. وعليه، أطالب بضرورة إجراء إصلاحات إجتماعية تبدأ أولًا من تحديد الأسباب التي تدفع ببعض أبناء البقاع إلى اعتبار المخدرات والتهريب السبيل الوحيد لتأمين لقمة عيشهم، وإن كانت طرقًا غير مشروعة. كما يجب تعديل طريقة تعامل العناصر الأمنية كي لا يكون القتل الفوري هو نتيجة قيام مواطن ما بالمرور على حاجز حربتا. ويتابع المولى: “نحن مع دولة القانون، ومع دولة المؤسسات، ولكن لا يجب مطالبة المواطن بتنفيذ ما عليه من واجبات دون إعطائه ما له من حقوق، وختم: ” بات لزامًا مقاربة ملف حاجز حربتا من زاوية مختلفة أمنيًّا وعسكريًّا واجتماعيًّا للحد مما يحدث عنده”.
إذًا، الأخطاء الأمنية تحدث، وباعتراف الأمنيين أنفسهم ولكن الحل الأجدى لحماية المدنيين والعسكريين هو في التشدد في تطبيق القوانين مع احترام حقوق الإنسان وتفعيل العقوبات الرادعة ومحاكمة المرتكبين هذا بالإضافة إلى وجوب كفّ يد التدخلات السياسية والطائفية والحزبية.
يُنشر هذا التقرير في إطار التدريب حول “أسس ومبادئ التغطية الإعلامية لقضايا الأمن في لبنان” الذي نظمّته مؤسسة “مهارات” بدعم من مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن “DCAF”. هذا المحتوى لا يعكس بالضرورة آراء مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن.
