أبعد من شرط وقف الحرب على غزة \ العميد (م) حسين الشيخ علي
تدور المفاوضات لوقف إطلاق النار في الجنوب والعودة الى قواعد الإشتباك السابقة بوسطة الموفد الرئاسي الأميركي، والذي يلقى نفس الموقف عند الجانب اللبناني، بعدم الرغبة في الذهاب الى الحرب وأن المقاومة ملتزمة بقواعد الإشتباك، كونها تستهدف المراكز العسكرية الإسرائيلية وتجمعات الجنود، كرد على الإعتداءات الإسرائيلية على المدنيين في لبنان. وأن لا وقف لعمليات المقاومة إلاّ بعد وقف الحرب على غزة.
يقابل ذلك في غزة، إعلان شروط المقاومة الفلسطينية المُطالبة بوقف كامل لإطلاق النار وبانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي، وفك الحصار وإدخال المساعدات، وتبادل المعتقلين وإعادة الإعمار وفقاً لشروط معينة تضعها. أما إسرائيل فترفع شعار القضاء على المقاومة الفلسطينية في غزة وإطلاق صراح اللأسرى وتسليم إدارة القطاع الى جهة بديلة لحماس لم تحددها بعد.
يتضح من خلال سير المعارك أن الأطراف المتقاتلة في عملية طوفان الأقصى، كانت تخطط مسبقاً، من خلال ما قامت به من تحضيرات عسكرية للميدان، من جمع معلومات وإمتلاك أسلحة وذخائر وبناء أنفاق ومراكز عسكرية والقيام بعمليات تنصت وغيرها، للقضاء نهائياً على عدوها. لأسباب أيديولوجية دينية تتعلق بالعمل على إزالة إسرائيل من الوجود، ووصفها بالغدة السرطانية في المنطقة، ولأسباب تاريخية تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي وعجز العرب عن القضاء على الإستيطان الصهيوني الذي دفعت به بريطانيا الى فلسطين وإعادة الحق الى أصحابه، ولمسح عار هزائم الحروب مع الكيان وإستعادة الكرامة العربية والإسلامية، وكسر مقولة تفوق العدو الصهيوني، هذا من ناحية محور المقاومة.
أما من ناحية العدو الإسرائيلي الذي أعلن أن إسرائيل هي دولة يهودية، فهو يعمل على حصار الفلسطينيين وطردهم من أرضهم وإنشاء المستوطنات بها، وإلغاء قضيتهم من خلال إتفاقيات التطبيع مع الدول العربية وتحييدها عن الصراع العربي الفلسطيني، وعدم الإعتراف بحقهم في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة. كما يعمل على رد إعتباره للهزائم التي لحقت به في لبنان عامي 2000 و2006، من خلال إستمراره في تجنيد العملاء والقيام بعمليات الإغتيال لكل من ينشط في محاربته. وكذلك يسعى الى تدمير أي قوة تهدد أمنه في سوريا والعراق من خلال القصف المتكرر للقواعد العسكرية، ومن خلال مراقبته لعمل حرس الثورة الإيرانية فيهما وقصف قواعده.
لم يعد وقف القتال في غزة ولا الربح فيها والخسارة يشكل شرطاً لإنهاء الحرب، فهي معركة ومرحلة من سلسلة معارك ومراحل ضمن الحرب المفتوحة التي من الممكن أن تشهد فترات هدنة، لا ترتقي الى السلام الدائم. والتي يتم التحضير لها باستمرار بين إيديولوجيتين وثقافتين متفارقتين مئة وثمانون درجة، ولا تقبلان بوجود بعضهما البعض، وتتصارعان على حدود التقاء إنتشارهما الجغرافية، حيث تسمح طبيعة الأنظمة السياسية المحيطة بالكيان الصهيوني في المنطقة. فغزة والضفة ولبنان تشكل الحدود الأكثر قابلية لأستمرار هذا الصراع في ظل تعذر الجبهات الأخرى، وكل طرفٍ يحاول الإمساك بها كونها تشكل مصدر قوة له وتؤمن الأمن الإستراتيجي الذي يريحه.
إن انكسار أي فريق منهما سوف لا تقتصر نتائجه على بلده وأرضه وشعبه فقط، بل سوف تتعداه الى الحلف الذي يدعمه، فتسقط أفكار وايديولوجيات سياسية وإقتصادية ودينية وأحزاب وشعارات سياسية ويتم استبدالها. وسيكون المنتصر فيها أشد قساوة في تدمير خصمه ومراقبته وإبعاده عن حدوده وظلمه وحرمانه من كل حقوقه ومقوماته لمنعه من التفكير مرة أخرى في التحدي، إنه صراع طويل ليس هدفه هدنة قصيرة أو ينتهي باحتلال بقعة أرض معينة أو بتدمير منطقة وقتل الحياة فيها.
فالمسألة يجب النظر لها من أبعادها الواسعة، أبعد من شرط وقف الحرب على غزة، وأبعد من الإتفاق على إظهار الحدود بين لبنان وفلسطين، فذلك لن يمنع من نشوء أي حرب في المستقبل ولو بعد هدنة بسيطة قد تمتد لسنوات كما حصل في الحروب العربية الإسرائيلية، إلا إذا تغيرت الوقائع الدولية والإقليمية باتجاه السلام العادل المقبول من جميع الأطراف وتغيرت الثقافة عند شعوب المنطقة، وهذا يتطلب وقتاً طويلاً جداً نظراً للترسبات التاريخية والدينية والثقافية والايديولوجية المتعلقة بتاريخ المنطقة وطبيعة شعوبها.
