الذكاء الاصطناعي: أداة لتجاوز الفجوات التعليمية وتعزيز التحصيل الدراسي

أستاذة جامعية وباحثة في العلوم التربوية
شهد العالم في السنوات الأخيرة سلسلة من الأزمات المتلاحقة التي أثرت بشكل جذري على الأنظمة التعليميّة، وكان أحدثّها مع بدأ أزمة كوفيد-19 التي عطلت الدراسة التقليدية، تلاها اندلاع الحروب والنزاعات، وآخرها الإعتداء الاسرائيلي على لبنان في أيلول 2024 والذي استمر حوالي 66 يومًا مما أدى الى تعطيل المدارس والجامعات. هذه الظروف الاستثنائية أدت إلى ما يُعرف بـ”الفاقد التعليمي”، وهو التراجع في مستوى التحصيل الدراسي للطلاب نتيجة الانقطاع أو القصور في العملية التعليميّة. ومع تعاظم هذه التحديات، يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة قوية قادرة على سد الفجوات التعليميّة واستعادة الزخم الدراسي.
علمًا أنّ الفاقد التعليمي يشير إلى الفجوة بين ما كان ينبغي أن يتعلمه الطالب وما اكتسبه فعليًا، بسبب عوامل خارجة عن إرادته. وقد نتج عن الجائحة والحروب تعطيل مباشر للمدارس والجامعات، وفقدان الوصول إلى التعليم الرقمي في العديد من المناطق بسبب ضعف البنى التحتيّة أو بسبب إصابتها بشكل مباشر أثناء الحروب، مما زاد من تعميق الفجوات التعليميّة. كما تشمل أسباب الفاقد التعليمي الآتي:
- الانقطاع عن الدراسة بفعل الأزمات الصحية أو الأمنية: تعد الأزمات الصحية كجائحة كوفيد-19، والأزمات الأمنية مثل الحروب والنزاعات، من أكبر التحديات التي أثرت على استمرارية العملية التعليمية. فقد أدى إغلاق المدارس والجامعات إلى توقف التعليم التقليدي، مما جعل ملايين الطلاب في مواجهة فجوة تعليمية حقيقية. ومع غياب البيئة الدراسية الآمنة والمستقرة، فقد الكثير من الطلاب الدافع للتعلم، خاصة أولئك الذين لا تتوفر لديهم بدائل رقمية أو دعم من المجتمع التعليمي.
- القصور في الموارد بسبب ضعف البنية التحتية للتعلم عن بُعد: على الرغم من أن التعلم عن بُعد شكل بديلًا للتعليم الحضوري خلال الأزمات، إلا أن ضعف البنية التحتية التقنية في العديد من البلدان حال دون تحقيق هذا الهدف. في مناطق مثل لبنان، يعاني الكثير من الطلاب من نقص في الأجهزة الإلكترونية، ضعف اتصال الإنترنت، وانقطاع الكهرباء المستمر. هذه التحديات جعلت من الصعب على الطلاب متابعة دروسهم بشكل منتظم أو التفاعل مع معلميهم، مما أدى إلى تعميق الفاقد التعليمي وزيادة التفاوت بين الفئات المختلفة.
- الفروقات الفردية وعدم الاستفادة المتساوية من الأنظمة البديلة: تؤثر الفروقات الفردية بين الطلاب على قدرتهم على التكيف مع الأنظمة التعليمية البديلة. فالطلاب الذين يمتلكون مهارات تنظيم ذاتي أو دعمًا أسريًا قويًا تمكنوا من الاستفادة من التعلم عن بُعد بدرجة أكبر مقارنة بغيرهم. على الجانب الآخر، الطلاب الذين يعانون من صعوبات تعلم أو افتقار إلى الدعم الأسري لم يتمكنوا من الاستفادة الكاملة من الموارد المتاحة، مما زاد من الفجوة بينهم وبين أقرانهم. لذلك، أصبحت الحاجة ماسة لتطوير حلول تعليمية مخصصة تأخذ هذه الفروقات في الاعتبار.
وإنطلاقًا مما تقدم، وبعد ذكر أبرز أسباب الفاقد التعليمي يأتي دور الذكاء الاصطناعي (AI) الذي يلعب دورًا حاسمًا في تجاوز الفجوات التعليميّة من خلال تصميم برامج تعليميّة مخصصة لكل طالب بناءً على احتياجاته ومستواه التعليمي. على سبيل المثال، يمكن لمنصات مثل Khan Academy أو Coursera المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تقدم مسارات تعليميّة مرنة تساعد الطلاب على تعويض المواد التي فاتتهم.
كما يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل بيانات الطلاب لتحديد نقاط القوة والضعف بدقة. هذا التحليل يساعد المعلمين وصناع القرار على توجيه الجهود نحو المناطق الأكثر حاجة للدعم. ومن بين البرامج المبتكرة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات التعليمية برنامج Knewto، الذي يعتمد على خوارزميات متطورة لتتبع أداء الطلاب وتحديد نقاط القوة والضعف لديهم. يقوم البرنامج بتقديم توصيات تعليمية مخصصة وفقًا لاحتياجات كل طالب، مما يساعد على تحسين الفهم وسد الفجوات التعليمية. كما يُعد برنامج DreamBox Learning مثالًا آخر يتميز بتركيزه على تعليم الرياضيات، حيث يقدم دروسًا تفاعلية ومخصصة بناءً على تحليل أداء الطلاب في الوقت الفعلي. هذه البرامج تمثل أدوات فعالة لدعم المعلمين وصناع القرار في توجيه الجهود نحو تعزيز التحصيل الدراسي. بالإضافة الى أنّ توفر أدوات مثل الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) تجربة تعلم تفاعلية تساعد الطلاب على استيعاب المفاهيم الصعبة، خاصة في غياب التعليم الحضوري.
كماتعتمد العديد من التطبيقات على الذكاء الاصطناعي لتقديم دعم تعليمي فوري من خلال معلمين افتراضيين قادرين على الإجابة على أسئلة الطلاب وتوضيح المفاهيم على مدار الساعة. وتساعد تقنيات مثل التعلّم العميق (Deep Learning) في إنشاء محتوى تعليمي متعدد الوسائط يلائم أنماط التعلم المختلفة، مثل الفيديوهات، والرسوم التوضيحية، والمحاكاة.
وعلى الرغم من الإمكانات الكبيرة، تواجه تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم إلا أن هناك تحديات بارزة تحول دون تحقيق أقصى استفادة منه. تتمثل إحدى هذه التحديات في الفجوة الرقمية، حيث تفتقر العديد من المناطق النائية إلى التكنولوجيا والبنية التحتية اللازمة لدعم التعليم المدعوم بالذكاء الاصطناعي. بالإضافة إلى ذلك، تبرز مخاوف الخصوصية والأمان، إذ يتطلب التعامل مع بيانات الطلاب الشخصية ضمان حمايتها من الانتهاكات. وأخيرًا، تعتبر التكلفة عائقًا رئيسيًا، حيث إن الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد يكون مكلفًا بالنسبة لبعض المؤسسات التعليمية، مما يعوق تبني هذه الحلول بشكل واسع.
وبالعودة الى لبنان وفي ظل الأزمات المتتالية التي شهدها ومر بها، بدءًا من جائحة كوفيد-19 وصولًا إلى التحديات الاقتصادية والسياسية والعدوان الاسرائيلي الأخير، يمكن أن تمثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي طوق نجاة للنظام التعليمي. تتيح المنصات التعليميّة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للطلاب في المناطق المتضررة استئناف تعليمهم من خلال أساليب مبتكرة، مثل توفير دروس تفاعليّة مصممة خصيصًا لكل طالب بناءً على أدائه. علاوة على ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي تقديم أدوات تحليل متقدمة لتحديد الفجوات التعليميّة وتوجيه الجهود نحو معالجتها بفعالية. ومن الحلول المهمة تطوير شراكات بين المؤسسات التعليمية المحلية وشركات التقنيّة العالميّة لتوفير الموارد اللازمة، مثل أجهزة التعلم المحمولة وخدمات الإنترنت منخفضة التكلفة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن اعتماد أنظمة ذكاء اصطناعي تعتمد على التعلم الذاتي لتدريب المعلمين على استخدام هذه الأدوات وتوسيع نطاق الفائدة. كما أن إنشاء مراكز تعليميّة رقميّة متنقلة مزودة بتقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في الوصول إلى الطلاب في المناطق النائية والمتضررة، مما يضمن استمرار التعليم حتى في أصعب الظروف.
