المؤسسات الحقيقية تُبنى على احترام حقوق العمال… فالشعارات لا تُطعمهم ….
مع إشراقة الأول من أيار كل عام
يقف العالم وقفة رمزية لتكريم العمال، هؤلاء الذين يواصلون الليل بالنهار لبناء المجتمعات وتسيير الحياة بكل تفاصيلها. إنه اليوم الذي يُفترض أن يُسلّط فيه الضوء على جهد الإنسان العامل، لا أن يتحوّل إلى مناسبة احتفالية خالية من المضمون أو مجرّد تقليد سنوي يتكرّر دون أثر حقيقي في حياة من يستحقون التقدير كل يوم. فهل نكتفي بيوم واحد لنقول للعامل: شكرًا؟ وهل يُعقل أن تكون الشعارات الزاهية بديلًا عن الحقوق والعدالة والكرامة؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
إن هذا اليوم لم يكن وليد اللحظة، بل جاء تتويجًا لنضالات طويلة خاضتها الطبقة العاملة عبر التاريخ، بدءًا من حركات الإضراب التي انطلقت في أواخر القرن التاسع عشر، خصوصًا في مدينة شيكاغو، عندما طالب العمال بحق العمل لثماني ساعات يوميًا، وواجهوا القمع والاضطهاد. هذه الأحداث الدامية لم تذهب سدى، بل صنعت الوعي، وأثمرت اعترافًا دوليًا بعيدهم الذي أصبح رمزًا عالميًا للنضال من أجل العدالة الاجتماعية. ومنذ ذاك الحين، أصبح عيد العمال يومًا يُحتفى فيه بجهودهم، وتُذكّر فيه المؤسسات والحكومات بواجبها تجاههم.
لكن واقعنا المعاصر يطرح مفارقة صارخة: في الوقت الذي تتضخم فيه أرباح المؤسسات، تتآكل حقوق العامل. وفيما تتفنن بعض الجهات في تلميع صورتها الاجتماعية، تغيب عن ممارساتها اليومية أبسط مقومات احترام الإنسان العامل. يتلقى العمال التهاني في عيدهم، لكنهم لا يتلقون أجرًا عادلًا، ولا بيئة آمنة، ولا فرصة للتطور، ولا ضمانًا بأن صوتهم مسموع. فهل الشعارات تداوي التعب؟ وهل يمكن للتهنئة أن تعوّض عاملًا عن إجحاف متواصل؟
المؤسسات الحقيقية لا تُقاس بحجم أرباحها، بل بطريقة تعاملها مع من يبنونها. احترام العامل لا يعني فقط الامتناع عن الإساءة أو الاستغلال، بل يعني تمكينه من العيش الكريم، من التطور، من أن يشعر بأن له دورًا حقيقيًا في منظومة الإنتاج. فكل إنجاز اقتصادي يبدأ من يدٍ عاملة، وكل نموٍّ يبدأ من جهد صامت في الورش والمزارع والفصول والمستشفيات والشوارع. العمال ليسوا مجرد أدوات تشغيل، بل شركاء في النجاح ومسؤولية في الضمير قبل أن تكون بندًا في القانون.
من هنا، فإن التقدير الحقيقي لا يكون بيوم عطلة أو خطاب احتفالي، بل بثقافة يومية تحترم العمل وتحمي العامل. نطالب أصحاب المؤسسات أن يعيدوا النظر في أولوياتهم، وألا تكون مراكمة الأرباح على حساب من يتعب ويعطي ويجتهد. نطالبهم بأجور عادلة، وتأمين صحي، وبيئة إنسانية تحترم الكرامة وتردّ الجميل. كما نطالب الدولة بأن تلعب دور الحامي لا المتفرج، عبر سياسات تحمي الحد الأدنى من الكرامة، وتفرض رقابة عادلة على التزامات أصحاب العمل، وتعيد التوازن للعلاقة بين رأس المال واليد العاملة.
لقد آن الأوان لنقول بوضوح: كفى شعارات، وكفى احتفالًا بيوم واحد. العامل يستحق التقدير كل يوم، لأنه يعطي كل يوم. المؤسسات العادلة تبنى على الاعتراف اليومي بفضل من يحركونها، لا على اختزال التقدير في لفتة موسمية. لا نريد عيدًا يضيء ثم يخبو، بل نريد مسارًا مستمرًا من العدالة والاحترام.
فالشعارات لا تطعم العامل، ولا تبني مؤسسة وحدها العدالة تفعل
