في ظل الغارات على الضاحية الجنوبية والضغوط الدولية على لبنان، يسلّط المقال الضوء على دور الرئيس نبيه بري في حماية التوازن الوطني، وموقفه الثابت من المقاومة والحوار، وسط استهداف داخلي وخارجي للطائفة الشيعية وقياداتها.
في وقت تتسارع فيه الأحداث بين تصعيد إسرائيلي غير مسبوق على الضاحية الجنوبية، وإبادة ممنهجة في غزة، وضغوط غربية تأخذ طابع التهديد الناعم، يبرز اسم الرئيس نبيه بري كأحد آخر الحصون السياسية التي لا تزال تُجيد فن الثبات دون الاصطدام، والرفض دون القطيعة.
منذ منتصف السبعينات، خاض بري عشرات المواجهات في الداخل والخارج، واستطاع أن يحمي التوازن الوطني الهشّ من الانهيار الكامل. اليوم، تعود هذه المواجهة بثوب جديد، ولكن بأدوات قديمة: “هجمة داخلية سياسية وإعلامية مركّزة على الطائفة الشيعية وقياداتها، ضمن محاولة محلية–خارجية لضرب ما تبقى من تماسك في وجه المشروع الإسرائيلي التوسعي”.
أولاً: الضاحية تحت القصف… والرسائل تتجاوز الجغرافيا
ليلة عيد الأضحى، تحوّلت أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت إلى ساحة استهداف مباشر من قبل الطيران الإسرائيلي، حيث سُوّيت بنايات مأهولة بالأرض ، في عدوانٍ لم يأتِ فقط في سياق الردّ الميداني، بل كرسالة سياسية واضحة: “لا منطقة آمنة، ولا خطوط حمراء، حتى في عمق بيروت”.
هذا العدوان، الذي ترافق مع تصعيد ميداني على الحدود الجنوبية، يضع لبنان أمام خطر الانجرار إلى حرب واسعة، لا تملك واشنطن أي نية لوقفها، بل على العكس، توفر لها الغطاء السياسي الكامل عبر الفيتو المتكرر في مجلس الأمن، والصمت الفعّال في العواصم الغربية.
ثانيا : الداخل المأزوم… وشيطنة الطائفة الشيعية
في هذا السياق، لا تأتي الهجمة الداخلية على الثنائي الشيعي ، وتحديدًا الرئيس بري، من فراغ. بل هي جزء من “مشروع مبرمج لاستهداف الدور الوطني الذي لعبه أبناء الجنوب والمقاومة”، ومحاولة عزل هذه البيئة سياسيًا وشعبيًا. ولكن بري، الذي خبر مثل هذه الهجمات سابقًا، يُدرك أن الهدف يتجاوز شخصه، إلى “إضعاف خطّ سياسي يُشكل الحاجز الأخير أمام التنازلات الكبرى”.
ثالثا: بري والغرب: التوازن بين الثوابت والانفتاح
منذ سنوات، شكّل الرئيس نبيه بري معبرًا ضروريًا لأي تواصل بين لبنان والغرب، لا سيما فرنسا والولايات المتحدة. لكنّ هذا الانفتاح لم يكن يومًا بابًا للتنازل. بري يُصغي للوفود، يُدوّن الملاحظات، يُناقش، لكنه يُجيب دائمًا بلغة ثابتة.
وقد نُقل عن لسانه أكثر من مرة قوله:
“ما يُرضي إسرائيل لا يُلزمنا، وما يحفظ كرامة لبنان نحن أول من يعمل لأجله.”
في تعاطيه مع الفرنسيين، يُظهر مرونة شكلية وحذرًا جوهريًا. أما مع الأميركيين، فيحتفظ بمسافة واضحة، ويردّ على الرسائل غير المباشرة، برسائل مباشرة: “قرارنا لا يُكتب في السفارات، بل يُصاغ هنا… في الجنوب، في المقاومة، في أصوات الناس.”
رابعا: مواجهة ناعمة… لكنها حاسمة
على الرغم من حجم الاستهداف، لا يُلوّح بري بالسلاح، ولا يُسعّر خطابًا طائفيًا. بل يواجه بالحكمة ذاتها التي أفشلت محاولات انقلاب سابقة. فالرجل الذي أسّس لمسار التهدئة في الحرب، وساهم في صياغة اتفاق الطائف، لا يسمح لحملة موسمية أن تمحو ذاكرة نضال طائفة صنعت استقلالها بدمها، لا باتفاقاتها.
وقد قال ذات مرة، في خطاب صار اليوم مرجعًا سياسيًا:
“لسنا طائفة… نحن تاريخ من المقاومة والشهداء، ولن نُمحى لا بقانون انتخاب، ولا بحملة سياسية، ولا بفتنة صامتة.”
خلاصة
ما يجري اليوم ليس فصلًا عابرًا، بل إعادة إنتاج لمحاولة إسقاط التوازن اللبناني من داخله، إرضاءً لإسرائيل ومشاريعها التوسعية. لكن بين الغارات على الضاحية، والحصار على غزة، والضغوط على عين التينة، تبقى “ثوابت الرئيس نبيه بري ثابتة”: لا للسلاح في الداخل، لا للتنازل عن المقاومة، نعم للحوار، ولكن من موقع الندّ لا الضعيف.
