كل عام تحلّ ذكرى عاشوراء، ويعود معها الحسين إلى ذاكرتنا، لا كحكاية مأساوية من الماضي، بل كنبض حيّ في قلب من لا تزال قلوبهم تهفو للحق، وتأنف الخضوع.
في كربلاء، لم يُقتل رجhل فقط، بل انتصرت القيم على السيف، والكرامة على الذل، والضمير على المصلحة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لكن، السؤال الذي نُصرّ على الهروب منه هو:
لماذا لا نُحسن الإصغاء لعاشوراء؟ لماذا لا تزال هذه الذكرى العظيمة محصورة في طقوس، تُعاد وتُكرّر، من دون أن تلامس عمق سلوكنا ومجتمعاتنا؟
الحسين لم يخرج لأجل طائفة أو مذهب، بل خرج لأن الضمير لا يحتمل السكوت على الظلم. رفض المبايعة ليزيد، لا لأنّه يمثل جهة مذهبية مختلفة، بل لأنه يمثل نظاماً قائماً على الفساد والاستبداد والمحاباة، وهو ما لا يليق بقيم الإسلام ولا بأخلاق أي أمة حرة.
ولهذا، فإن حصر كربلاء في دائرة طائفية يُجردّها من معناها العابر للزمان والمكان. ثورة الحسين تصلح أن تكون منارة للبشرية جمعاء، للمسيحي والمسلم، للعلماني والمتدين، لكل من يختار أن يقف في وجه القهر، ولو وحده. فكربلاء منهج وليست مناسبة.
إن ما حدث في كربلاء لم يكن واقعة معزولة، بل بياناً مفتوحاً للإنسان في كل عصر يقول: أن الموقف قد يكلّفك حياتك، لكنّه ينقذك من موت الضمير. لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: “لماذا بكى الناس الحسين؟” بل: “لماذا لا يزال الظلم قائماً، والفساد منتشراً، ونحن نبكي الحسين؟”
والسؤال الذي أطرحه: ماذا بعد عاشوراء؟
نحيي عاشوراء كل عام، نرتدي السواد، نقيم المجالس، نوزّع الطعام، نبكي…
لكن، هل تغيّر شيء؟
هل خرجنا من المجالس أنقياء؟
هل مسحت دموعنا شيئاً من قسوة قلوبنا؟
هل غسلنا الداخل، كما نتظاهر بالحزن في الخارج؟
هل ازددنا وعياً؟ وهل تحسّن سلوكنا؟
كم من خطيبٍ صعد المنبر وقال إن الحسين قُتل لأنه رفض الفساد… ثم نزل من المنبر وسكت عنه؟
كم من موكبٍ رُفع باسم الحسين، لكن لا أحد رفع صوته بوجه ظلم قائم؟
كم من صدور جُلِدت، وظهور تقوّست، وقلوب لا تزال عمياء عن أخطاء الذات؟
عاشوراء ليست مجرد تذكّر للبطولة، بل امتحان سنوي للصدق الداخلي. فهل اجتزناه؟
هل نجلد أنفسنا كما نجلد صدورنا؟
البعض يخشى من فكرة نقد الذات، بحجة الحفاظ على الطائفة، أو خوفاً من “الفتنة”. لكن، أليست كربلاء نفسها فتنة في وجه الاستكانة؟ أليست عاشوراء مدرسة في التمرد على القوالب الجاهزة؟
ما قيمة أن نكرر شعار “يا ليتنا كنا معك” إذا كنا اليوم نقف على الجانب الآخر من المبادئ التي خرج لأجلها؟
ما نحتاجه ليس فقط سرد القصة، بل السير على خطاها، خطوة بخطوة، دمعة بدمعة، موقفاً بموقف.
دعونا من غيرنا… ماذا عن أنفسنا؟
من السهل أن نشير إلى “الآخرين”، أن ننتقد من لا يقيم مجالس أو يحضرها، أو من لا يلبس السواد، أو من لا يمشي في المسيرات…
لكن، ماذا عنّا؟
نحن، أبناء الطائفة التي تقول إنها على نهج الحسين، هل نحمل هذا النهج فعلاً؟
هل نقف إلى جانب المظلوم؟
هل نرفض التبعية؟
هل نحاسب فاسدينا كما نحاسب خصومنا؟
هل نعيش قيم الحسين في بيوتنا، في أعمالنا، في سلوكنا اليومي؟
أم أن عاشوراء أصبحت موسماً عاطفياً لا أكثر؟
برأيي عاشوراء فرصة للعودة إلى الأصل، فالحسين لم يُقتل لنبكي عليه، بل لنُعيد اكتشاف أنفسنا من خلاله. عاشوراء دعوة إلى الثورة على الظلم، نعم، لكنها أيضاً دعوة إلى الثورة على أنفسنا، على تواطئنا، على سكوتنا، على هشاشتنا الأخلاقية.
فلنخرج من كربلاء هذا العام، لا فقط بذرف الدموع، بل بغسل القلوب، وتنظيف النوايا، واستعادة معنى أن نكون أحراراً.
الحسين لا ينتظر منا الحزن، بل الموقف.
ولا يريد رثاءنا، بل أن نُحيي قضيته في أخلاقنا، لا فقط في مواكبنا.
