المشروع الأميركي في جنوب لبنان: انحياز وقودُه الجهل والمواجهة
بقلم: محمد غالب غزالة
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في ظل مشهد إقليمي مضطرب وضغوط متصاعدة على مختلف الجبهات، تخرج الإدارة الأميركية بخطة جديدة تقضي بإنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان على طول الحدود مع فلسطين المحتلة، بحجة “ضمان أمن إسرائيل”. قد يبدو الطرح تقنيًا للوهلة الأولى، لكنه في جوهره سياسي – أمني بامتياز، ويكشف عن جهل أميركي عميق بطبيعة شعوب المنطقة، خصوصًا أهل الجنوب اللبناني الذين لم ينسوا أن مقاومتهم بدأت قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، بل منذ لحظة أولى لمحاولات التسلل والاحتلال والانتهاك.
جنوب لبنان: الأرض التي تُنجِب مقاومة
الذاكرة الجنوبية ليست ذاكرة منفعلة، بل حية وفاعلة. فهي تحفظ جيدًا محطات الدم والمجازر، وأبرزها مجزرة حولا عام 1948، حين دخلت القوات الصهيونية إلى البلدة وارتكبت جريمة يندى لها جبين الإنسانية. ومنذ تلك اللحظة، لم يتعامل الجنوبي مع الاحتلال بوصفه طارئًا، بل كعدو دائم، فأنشأ مقاومته الشعبية ثم العسكرية، دفاعًا عن الأرض والعِرض والسيادة.
لذلك، فإن أي مشروع خارجي يعيد التلويح باحتلال ناعم أو تقسيم مقنّع للسيادة اللبنانية، سيُواجَه بالغريزة الوطنية نفسها، بل بالمقاومة نفسها التي يعرف الإسرائيلي – قبل غيره – أنها ليست مجرد مجموعات مسلحة، بل حالة شعبية متجذرة في الأرض والانتماء والوجدان.
الخطة الأميركية… كيدية سياسية لا استراتيجية واقعية
ما تسوقه واشنطن على أنه “ضمان لأمن إسرائيل”، ليس سوى مشروع انحيازي متكرر، يصب في خانة تمكين العدو على حساب الشعوب، وتحديدًا على حساب لبنان وسيادته. لكنها – في مفارقة لافتة – تسدي خدمة للمقاومة، من حيث لا تدري. إذ إن هذه الخطة، بدل أن تُضعف الحاضنة الشعبية للمقاومة، تعيد تثبيت شرعيتها، بل وتدفع نحو تفعيلها وتحويلها إلى واجب وطني راهن ومستقبلي.
لسان حال الجنوبيين اليوم يقول بوضوح: إذا تحوّلت أراضينا إلى مناطق عازلة بقرار خارجي، فإنها تصبح أراضي محتلة ويصبح واجب مقاومتها أمرًا غير قابل للنقاش. والكل يعلم أن المقاومة في لبنان لا تتصرف بردة فعل آنية، بل ضمن رؤية استراتيجية تستند إلى تجربة طويلة من المواجهة والانتصار والصبر والتكلفة المدروسة.
ما بعد “المنطقة العازلة”… الأرض ستتكلم مقاومة
الخطأ الأميركي القاتل لا يكمن فقط في اقتراحه، بل في تصوّره بأن شعوب هذه المنطقة يمكن تطويعها بالقرارات الدولية أو التهديدات أو الخطط الأمنية. فهنا، تُصاغ الجغرافيا بالمقاومة، وتُستعاد السيادة بالتضحيات، لا بالخطط الموضوعة في غرف مغلقة أو على الطاولات الغربية.
وإذا نجحت الخطة الأميركية – وهو أمر مستبعد سياسيًا وشعبيًا – فإن النتيجة لن تكون أمنًا للإسرائيلي، بل مواجهة أعنف مع مقاومة تعرف أرضها، وتستمد قوتها من حقها، وتطوّر قدراتها بما يفوق التوقعات.
الخطة التي تبرر استمرار المقاومة
ببساطة، المشروع الأميركي ليس سوى دليل جديد على أن المقاومة ليست فقط مشروعة، بل لازمة وضرورية. وإذا كان المطلوب تحييد خطر المواجهة، فإن السبيل ليس فرض منطقة عازلة، بل إنهاء الاحتلال واحترام سيادة الشعوب. أما غير ذلك، فهو إعلان صريح عن دعم الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي عن استدعاء المقاومة بكل أشكالها، لتكون في الميدان، لا على الهامش.
