في ظلّ التّحوّلات الّتي يشهدها العالم في مجال الرقمنة ربّما بات واجبًا على المعلّم الخوض في مجالات الذَكاء الاصطناعيّ لاستثمار ما يقدّمه باعتدال و حذر مع التنبّه إلى ضرورة العودة إلى مصدر موثوق وموثّق.
المعلّم اليوم يحتاج إلى بذل جهود إضافيّة لجذب الطالب الّذي بات نافرًا من التّعلّم التَقليديَ، لذا يحتاج المعلّم إلى بناء قدراته وفاق التّحوّلات التقنية، واستثمار الذّكاء الاصطناعي لدعم عمليّة التّعلّم وتقدّمها كي لا يصلح ناقلًا لمعلومات يستطيع الطّالب الحصول عليها بضغطة زرّ، فيزاد البون بينهما، ويصبح خطاب المعلّم عبئًا على التّلميذ، بل يصبح دافعًا للاستهزاء بما يقدّمه مقارنة بما تقدّمه التّكنولوجيا.
أمّا في ما يخصّ الذّكاء الاصطناعيّ والمواد التّعليميّة، لعلّ أكثر مستفيد منه سيكون أساتذة التّاريخ والجغرافيا، والفنون والرّياضة والآداب، قبل أساتذة الرّياضيّات والعلوم، وما أريد قوله هنا هو أنّ منافع هذا الذّكاء لا تقتصر فقط على أساتذة الموادّ العلميَة بحجّة اعتماده على الخوارزميّات والأسس العلميّة، فليس هناك علاقة بين الأسس الّتي يقوم عليها العلم وبين من يستفيد منه – وإلّا لكانت الاستفادة من الهندسة والطّبّ حكرًا على من تعلّمهما- إذ لا علاقة لقواعد بناء هذا الذّكاء بكيفيَة استثماره، وعليه فإنّ بابه مفتوح لكلّ راغب في التّطوّر ولكل ناهل للعلم والمعرفة، ولكلّ ساهر على مصلحة العلم والمتعلّم.
إنّ تجربتي المتواضعة بيّنت لي أنّ المعلّم يستطيع أن يقدّم المادّة الجافّة الّتي لم يعد يرغب الطلاب تعلّمها بطريقة تسهم ولو قليلًا بتحفيزهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنّ مادة القواعد في الصّفوف الثّانويّة ليس لها كتاب ملزم، ولكن يطلب إلى المتعلّم استثمار كفاياته المتراكمة ليضبط أواخر الكلمات وهنا تكمن المشكلة إذ يقوم المتعلّم بوضع الحركات بطريقة عشوائيّة من غير اعتماد على التّحليل المنطقيّ الّذي تقوم عليه قواعد اللّغة العربيّة، من هنا يمكن للمعلّم تحويل السّؤال إلى مادة شائقة بمساعدة الذّكاء الاصطناعيّ من دون سرقة أو انتحال.
أخيرًا، تحتاج عمليّة التعلّم والتّعليم اليوم إلى دور فعّال للمعلّم في ظلّ غياب التّرشيد الرّسميّ والمتابعة الأكاديميّة للدّولة، حيث يقتصر دور الدّولة على حسم من هنا وعقوبة من هناك لأسباب لا تتعلّق بروح التّعليم نفسها، فالدّولة لا تبحث عن أستاذ كفء قادر على تطوير العمل بقدر ما تبحث عن أخطاء تصدر عن قصد أو عن غير قصد، فالكفاءة ليست شرطًا من شروط النّجم التّربويّ اللّامع، وقلّة من وصلوا إلى مركز يمكّنهم من التّغيير، والأهمّ من هذا كلّه أنّ الأمر ليس مقتصرًا على أساتذة الرّياضيّات والعلوم، بل على عكس ما يفكّر فيه التربويّ الّذي يصنّف الذّكاء بطريقة لا تمتّ إلى الذّكاء بصلة، إنّ أستاذ الرّياضة أيضًا يمكن أن يخرج من زاويته الرّياضيّة إلى العالم عبر هذا الذّكاء.
نحن بحاجة إلى الخروج من شرانق التّعليم التّقليديّة لنحافظ على هويّة المعلّم وهيبته وسلطته الّتي باتت على المحكّ، وهذه مسؤوليّة المعلّم نفسه ولا بدّ من مراعاة التطوّر السّريع في العالم بدل الوقوف عند الشّاطىء بانتظار موجة تعطيه بدل الغوص في الأعماق لصيد اللّآلىء.
