عندما تدرس المجتمع اللبناني، (الفسيفسائي كما يقال)، في إيمانه وعقيدته وثوابته وحلاله وحرامه وعدوه وصديقه وآماله وأحلامه ومخاوفه و… فسترى العجب العجاب، حيث لا يشترك هذا المجتمع من خلال أطيافه المتعددة في أي شيء حتى المأكل والمشرب والملبس والليل والنهار والشتاء والصيف. ولا يشذ عن هذه القاعدة أياً كانت صروف الدهر ونوائبه وسرائه وضرائه. وما نتحدث عنه لا يُختصر في زمان دون آخر أو مكان دون غيره أو مجتمع دون مجتمع، فهذه الحقيقة البائسة سمة تتكرر مع تغير الأوضاع وحركات الزمكان وأوضاعه التي لا تنتهي. فهذا المجتمع عبارة عن مجتمعات متباينة لا يشبه بعضها بعضاً في الأعم الأغلب من ضروب الحياة ومواقعها المختلفة في السياسة والدين والاجتماع والاقتصاد والعلوم الأخرى كافة. بل حتى الإلحاد لم يستطع جمعها تحت كنفه واستمرت القضايا الأخرى تميز بعضها عن بعض وتفرق بعضها عن بعض. ولقد صرح بعض من الشخصيات أن مجتمعه لا يشبه المجتمعات الأخرى وقوبل تصريحه بالانتقاد والتهجم لأن فيه شيئاً من الرعونة والتكبر والبعد عن الأصالة اللبنانية التي تحاكي جميع اللبنانيين بلغة واحدة ومحبة نادرة، مع العلم أن مثل هذا التصريح لا يجافي الحقيقة عند من يملك الجرأة ويسمي الأشياء بمسمياتها. ولكي لانغرق في التنظير دعونا نستعرض الحاضر المستمر منذ سنوات طويلة وتظهر في كل فترة زمنية مفردة واقعية جديدة تعمق التأزم بين اللبنانيين وتزيدهم شرخاً فوق شرخ ونفوراً فوق نفور. ولنسأل بكل تجرد: هل الموقف العدائي للكيان الإسرائيلي هو واحد عند جميع اللبنانيين، على الرغم من أن هذه العداوة مصرحة في الدستور بشكل واضح لا لبس فيه؟ وهل كيفية التعاطي مع هذا العدو واحدة أم لها عدة خيارات استراتيجية وتكتيكية؟ ما الموقف المعلن من قضية فلسطين ومصير شعبها؟ ما الموقف الواضح تجاه سوريا النظام السابق ثم سوريا النظام الحالي؟ وما الموقف عموماً تجاه الدول العربية وكيف يجب التأسيس للعلاقة معها خصوصاً الدول البترولية منها؟ وما الموقف من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة؟ ونسأل أيضاً: ما الموقف من حزب الله وسلاحه ومقاومته ضد إسرائيل في الثمانينات والتسعينات؟ وما الموقف منه الآن في الوضع الراهن والذي يسوء يوماً بعد يوم وتكبر المخاطر ويُتوقع اندلاع الحرب مجدداً؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وربما تبرز أسئلة من موقع آخر: هل الحل في التقسيم كما يطرح البعض قديماً وحاضراً لكي يعيش كل مجتمع كما يحلو له؟ أم الحل في أن نكون في لبنان تابعين لدولة أخرى تستعمرنا لأننا لا نفقه معنى الدولة ومفرداتها وأصولها؟ أم أن المشكلة في شخصية الفرد اللبناني الرافضة لكيان الدولة والنظام والقانون والمجتمع في بلده والتي تنصاع بالكامل عندما يكون في بلاد الاغتراب ويتأقلم مع أنظمتها ويطيع قوانينها؟
القضية لا تحل بعصا سحرية وشخصية عجيبة تأتي من خلف الزمان والمكان، ولكن من دراسة أسباب الخلل التي جعلت مثل هذا البلد عصياً على العيش بشكل طبيعي وعادي كما تعيش باقي البلاد في هذا العالم الرحيب. فالغريب أن اللبنانيين يرفعون ألوية زعماء يسرقونهم ويذلونهم ويمنون عليهم وعلى أولادهم بالفتات وشظف العيش، ولا ينبسون ببنت شفة طالما أن المجتمع الآخر أو المذهب الأخر ليس أفضل حالاً بل أشد فقراً وقلة. والغريب أن الزعيم لا يموت بل يستمد حياته من ولده وحفيده وقريبه ولا يُحاسب أحد منهم على قصور أو تقصير أو أو نهب أو سرقة.
كذلك فإن المشكلة في النظام الطائفي البغيض الذي لم ينتج يوماً دولة سوية تعيش الحياة الطبيعية دون توتر وحروب وارتهان. النصوص لها القدرة على تغيير النفوس، والشعب بأكمله وفي دستور سوي له القدرة على اختيار ممثليه من الرؤساء والوزراء والجكام.
القضية في اختيار الرجال المناسبين في الأماكن المناسبة، وهؤلاء لا يندر وجودهم بل يمكن توفرهم في كل آن خصوصاً في بلد صغير كلبنان يعرف المواطنين بعضهم جيداً. ولقد عرف هذا البلد الكثيرين من هؤلاء الرجال لكنهم ما استطاعوا مقابلة سيل الفساد الجارف فانزووا عاجزين معتزلين.
فهل هناك أمل في أن نعيش في بلد سالم آمن لا يخشى الصروف المحيطة بنا، كوجود كيان العدو قربنا ويريدك البعض الانصياع بلا سلاح ولا عتاد ولا مقاومة بل التقوي بجيش مُنع من التسليح والدفاع وأُريد منه أن يكون محايداً ضعيفاً.
إننا في بلد يعيش على التناقضات والخلافات والمنازعات المستمرة منذ ولادته، وآن الأوان لكي يستريح شعبه وتكون له كلمة موحدة تنادي بمصلحة البلد وأمنه وحريته واستقراره بعيداً عن المكايدات والنكايات واللعب بالنار عند كل مناسبة. فهل هذا كثيراً أم أن الحلول تكمن في رؤوس شذاذ الآفاق ليبقى البلد قاصراً لا يملك سبل العيش بسوية أم يضيع وحدوده ويكون جزءاً من بلاد الشام كما سمعنا مؤخراً؟
