في مثل هذه الأيام، تعود إلى الواجهة صورة رجلٍ لم تغب لحظة، رغم أن جسده غاب منذ 47 عامًا. الإمام السيد موسى الصدر، ذاك القائد الاستثنائي الذي خطف من على أرض ليبيا عام 1978، برفقة الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، لا يزال السؤال عنه أقوى من كل محاولات النسيان: أين الإمام؟ ولماذا غُيّب؟ ومن المستفيد من غيابه؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لكن السؤال الأهم ربما لم يُطرح بما يكفي: ماذا يعني أن يُغَيَّب موسى الصدر؟
تغييبه لم يكن تغييبا لرجل، بل محاولة اغتيال مشروع. مشروع نهضوي وطني عابر للطوائف، رافع لقيم المقاومة، مدافع عن وحدة لبنان، محذّر من فتنة الداخل وشرور الخارج. في زمن كانت فيه الطائفية تفتك، والإقطاع السياسي يهيمن، ظهر الإمام كصوت للناس الذين “لم يكونوا في الحسبان”. قدّم فقراء الجنوب والبقاع والضاحية كقضية لا كأرقام، ورفعهم إلى مصاف الكرامة.
لكن ما لم يُقل كفاية، هو أن هذا الغياب أُريد له أن يُحدث فراغاً استراتيجياً في وجه المشروع الصهيوني، الذي كان الإمام من أوائل من واجهه بوعي حقيقي لا بشعارات جوفاء. لم يتردد في توصيف إسرائيل بأنها “شر مطلق، والتعامل معها حرام”. فهم مبكرًا أن هذا الكيان لا يريد فقط احتلال الأرض، بل اختراق الوعي، وتفكيك المجتمعات من داخلها.
من المؤلم أن بعض الداخل اللبناني، وبعض الخارج العربي، رأوا في الإمام خطرًا، لا لأنه يهدد توازناتهم، بل لأنه كان يُجيد قول الحقيقة في زمن المساومات. ولذا، فإن تغييب الإمام، لم يكن قرار نظامٍ متفرد في استبداده فقط، بل نتيجة تواطؤ دولي وإقليمي على كتم الصوت الذي أراد أن يحمي لبنان وفلسطين معًا.
الرئيس بري ووراثة الأمانة
أمام هذا الغياب الثقيل، تولّى الرئيس نبيه بري الأمانة، لا على قاعدة الوراثة السياسية، بل على قاعدة الالتزام بالنهج. فحركة أمل، التي خرجت من رحم فكر الإمام الصدر، استمرت في رفع قضيته، وحماية إرثه، والمطالبة بكشف مصيره. ولم يكن ذلك سهلاً في ظل تعقيدات الداخل وتشابكات الخارج.
الرئيس بري، بما يمثّل من حكمة وتجربة، استطاع أن يوازن بين الثبات على المبادئ والانخراط في العمل السياسي اللبناني المعقّد. حافظ على خط الإمام في رفض الطائفية السياسية والدعوة إلى الدولة المدنية، في التمسك بالقضية الفلسطينية، وفي التأكيد على أن الشريك المسيحي في لبنان ليس خصمًا، بل ضمانة للوطن.
أن يعود الجميع إلى الصدر
ما يثير الانتباه اليوم، أن الجميع بات يعود إلى فكر الإمام موسى الصدر. في زمن الانهيار اللبناني، وفي ظل التصحّر السياسي، أصبح خطابه حول الوحدة الوطنية، العيش المشترك، ونبذ العنف الطائفي، مرجعية حتى لمن خاصموه أو تجاهلوه يوماً.
كثيرون يستشهدون اليوم بكلماته حول دور المسيحيين في لبنان، ورؤيته لوطن يتسع للجميع، لا وطن مفصل على مقاسات الطوائف. يعودون إلى فكره وكأنهم يبحثون عن خشبة خلاص من غرق محتوم، لأنهم أدركوا – متأخرين – أن من دعا إلى شراكة حقيقية، لم يكن يسعى إلى تسوية وقتية، بل إلى دولة عادلة.
ولعلّ أهم ما فهمه الصدر وسبق زمانه به، أن الداخل اللبناني لا يُحمى إلا عندما يُعرّف العدو بوضوح: إسرائيل، وليس ابن الوطن. العدو هو من يحتل الأرض، لا من يختلف معك في الدين. العدو هو من يدعم الفتن، لا من يدعو إلى الوحدة.
الخاتمة: الإمام البوصلة
في ذكرى الغياب، لا نكتب عن الإمام موسى الصدر كحدث من الماضي، بل كأمل للمستقبل. غيابه كان جريمة سياسية – تاريخية، لكن حضوره في الضمير الجمعي باقٍ، لأن ما تركه لم يكن خطابًا، بل نهجًا، ورؤية، وقضية.
إنّ تغييب الإمام لم يمنع سير المركب، لكنه جعل الرحلة أكثر وجعًا. وما بقاء الرئيس نبيه بري ممسكًا بالدفة، إلا دليل على أن النهج لا يُغيّب، وأنّ الإمام، وإن غاب جسدًا، لا يزال حاضرًا في الوعي والموقف.
ويبقى السؤال، في زمن التحولات الكبرى:
هل آن الأوان أن يفهم الجميع أن الإمام موسى الصدر لم يكن لطائفة، بل لوطن؟
وهل آن أوان العودة إلى البوصلة؟
