إن إقرار مجلس الوزراء اللبناني لما يُعرف بـ “ورقة الأهداف” المقدّمة من المبعوث الأميركي توم براك يثير إشكالية حول مدى ما يمكن أن تكتسبه هذه الورقة من قيمة قانونية على المستويين الدولي والداخلي. فالورقة في أصلها وثيقة تفاوضية تعكس توجّه الدولة المرسِلة (الولايات المتحدة الاميركية) أكثر مما تُنشئ التزامًا تعاقديًا على الدولة المتلقية (لبنان)، الأمر الذي يستدعي مقاربة ثنائية بين القانون الدولي العام والقانون الدستوري اللبناني.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
اولًا- حيثيات ومضامين ورقة “توم براك”
أقرَّت الحكومة اللبنانية يوم الخميس الواقع في ٧ آب ٢٠٢٥ جزءًا من الورقة التي قدمها المبعوث الأميركي توم براك إلى لبنان، التي تتعلق بـ”الأهداف العامة” لتحقيق تسوية شاملة بين لبنان و”إسرائيل”، وذلك في جلسة حكومية غاب عنها الوزراء الشيعة احتجاجًا على مضمونها، وتتضمن هذه الورقة ما يسمى بمقترحات اميركية تهدف إلى تعزيز السيادة اللبنانية وضمان استدامة وقف الأعمال العدائية بين لبنان و”إسرائيل”، وأبرز أهدافها:
1. تنفيذ اتفاق الطائف والدستور اللبناني وقرارات مجلس الأمن بحيث تدعو الورقة إلى بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وتعزيز دور المؤسسات الشرعية، مع ضمان حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
2. ضمان استدامة وقف الأعمال العدائية، بحيث تشمل الورقة خطوات منظمة لضمان استمرار وقف الأعمال العدائية بين لبنان و”إسرائيل”، بما في ذلك منع جميع الانتهاكات البرية والجوية والبحرية.
3. إنهاء الوجود المسلح للجهات غير الحكومية من خلال مطالبة الورقة بإنهاء الوجود المسلح لجميع الجهات غير الحكومية، بما في ذلك “حزب الله”، في كامل الأراضي اللبنانية، جنوبًا وشمالًا من نهر الليطاني، بدعم مناسب من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.
4. نشر الجيش اللبناني في المناطق الحدودية والمناطق الداخلية الأساسية بحيث تشمل الورقة نشر الجيش اللبناني في هذه المناطق بدعم مناسب من الجيش وقوى الأمن الداخلي.
5. انسحاب “إسرائيل” من “النقاط الخمس” بحيث تدعو الورقة إلى انسحاب “إسرائيل” من خمس نقاط حدودية متنازع عليها، ومعالجة قضايا الحدود والأسرى عبر المفاوضات غير المباشرة والديبلوماسية.
6. عودة المدنيين إلى القرى والبلدات الحدودية، بحيث تسعى الورقة إلى ضمان عودة المدنيين إلى منازلهم وممتلكاتهم في هذه المناطق.
7. ترسيم الحدود بين لبنان و”إسرائيل” وسوريا بحيث تشمل الورقة ترسيمًا واضحًا ودائمًا للحدود الدولية بين لبنان و”إسرائيل”، وكذلك بين لبنان وسوريا.
8. عقد مؤتمر اقتصادي دولي بحيث تقترح الورقة عقد مؤتمر دولي لدعم الاقتصاد اللبناني وإعادة الإعمار، بمشاركة دولية واسعة.
تتبع هذه الخطوات مبدأ “الخطوة مقابل الخطوة” من خلال ان يقدم كل من لبنان و”إسرائيل” على إجراءات متقابلة بإنسحاب إسرائيلي مقابل إجراء لبناني مماثل.
لقد أثارت هذه الورقة جدلاً واسعًا في لبنان، حيث اعتبرها البعض خطوة نحو تعزيز السيادة الوطنية، بينما اعتبرها آخرون مساسًا بالسيادة الوطنية وتنازلاً عن حقوق لبنان.
ثانيًا- الطبيعة القانونية لورقة “توم براك”
إن هذه الورقة التي تشكل الأهداف التي وضعتها الولايات المتحدة الاميركية وطلبت من الحكومة اللبنانية إقرارها بشكل ملزم عبر تخييرها بين الإزدهار والحرب، وانه لا يمكن اعتبارها معاهدة دولية بالمعنى المقصود في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، إذ إن المادة (2) من الاتفاقية عرّفت المعاهدة بأنها “اتفاق دولي يُبرم بين دولتين أو أكثر في صيغة مكتوبة ويخضع للقانون الدولي”، وهو ما لا ينطبق على ورقة الأهداف التي لم تُبرم في إطار اتفاق مكتوب ولا خضعت لإرادة متبادلة بالالتزام.
كما أن المادة (11) من الاتفاقية حصرت وسائل التعبير عن رضا الدولة بالالتزام القانوني في التوقيع أو تبادل الوثائق أو التصديق أو الانضمام، وهي إجراءات لم تتحقق في هذه الحالة.
وعليه، فإن هذا الإقرار لا يترتب عنه أي أثر قانوني ملزم على الصعيد الدولي، ويظل أقرب إلى إعلان سياسي أو موقف تفاوضي أكثر من كونه مصدرًا لالتزام قانوني.
لذلك فإن عدم توافر الشروط الشكلية والموضوعية من توقيع وتصديق وفق الأصول الدستورية يُبعد عن الورقة صفة الاتفاقية الدولية ويحصر قيمة إقرارها في البعد السياسي والتوجيهي داخل العمل الحكومي، دون أن يرتب آثاراً قانونية ملزمة للبنان حاضرًا ومستقبلًا.
ثالثًا- القوة الملزمة لقرار الحكومة اللبنانية
إن إقرار الحكومة اللبنانية لورقة “توم براك” لا يرقى إلى مستوى التشريع الملزم، ولا يُضاهي في آثاره القرارات الوزارية ذات القوة التنفيذية أو القوانين الصادرة عن مجلس النواب. فالورقة لا تتعدى بطبيعتها أن تكون إطارًا سياسيًا أو برنامجًا تفاوضيًا، شبيهًا بالبيانات الوزارية التي تُعلن السياسات العامة للدولة وتوجّه عملها في مرحلة معينة، دون أن تُنشئ بذاتها التزامات قانونية قابلة للنفاذ.
من هنا، فإن أثرها يبقى محصورًا في البعد السياسي والتوجيهي داخل العمل الحكومي، إلى أن تُحوَّل لاحقًا إلى اتفاق مكتوب وموقع ومصدٍَق وفق الأصول الدستورية، فتصبح عندئذ ملزمة على المستويين الداخلي والدولي.
رابعًا- الآثار العملية لقرارات الحكومة اللبنانية إقرار ورقة “توم براك”:
إن إقرار الورقة من قبل الحكومة اللبنانية في جلستيها (٥ و٧ آب ٢٠٢٥) يشكل رضى مبدئي أو نية تفاوضية لهذه الحكومة أمام المجتمع الدولي، إلا أنه لا يمكن اعتبار ذلك سندًا قانونيًا لإنشاء التزامات دولية أو لفرض عقوبات دولية في حال عدم الالتزام به، فهي لا تعدو أن تكون وثيقة تفاوضية أو تمثل عرضًا سياسيًا أو مقترحًا تفاوضيًا، إن ما اكسبها وزنًا سياسيًا هو كونها تمثل الموقف الرسمي للولايات المتحدة الأميركية، لكنها تبقى في إطار الإعلان السياسي كأداة تفاوض يمكن أن تؤثر في موازين القوى والخيارات التفاوضية، دون أن تلزم الدولة اللبنانية إلا في حال قبولها والالتزام القانوني والسياسي بها وفق الاصول المتبعة في التشريع اللبناني لأن مخالفتها بعد ذلك يرتب مسؤولية دولية.
استنادًا إلى ذلك، يمكن القول أن القيمة الحقيقية لإقرار ورقة الأهداف التي سميت بورقة “براك” تكمن في وظيفتها السياسية الآنية اكثر من قيمتها القانونية باعتبارها أداة لتحديد خيارات التفاوض ورسم معالم السياسة الخارجية اللبنانية، دون أن يرتب التزامات مُلزمة ما لم يتطور إلى نص تعاقدي رسمي.
فهي إذن تُعدّ خطوة تمهيدية قد تتطور إلى جنوح الحكومة نحو اتفاق دولي ذي قوة إلزامية، إذا ما جرى التوقيع عليها وتصديقها، لكنها في صورتها الحالية تبقى محصورة في نطاق السياسة والإعلان، وهو ما يفرض التمييز الواضح بين قيمتها السياسية المباشرة وقيمتها القانونية المحتملة في المستقبل.
وهنا يتضح مما سبق أن إقرار الحكومة اللبنانية لهذه الورقة لا يُنشئ التزامًا قانونيًا، سواء على الصعيد الدولي أو الداخلي، إذ تظل الورقة في حدود الوثيقة التفاوضية ذات الطابع السياسي والإعلاني، ما لم تُفرغ في صيغة اتفاق مكتوب يخضع للأصول الدستورية والدولية المرعية الاجراء.
ومن هنا، يبرز التمييز الجوهري بين القيمة السياسية الآنية لهذه الورقة والقيمة القانونية الملزمة التي قد تكتسبها في حال تحولت إلى اتفاقية مصدقة، وهو ما يمهّد للبحث في أثر هذه الأوراق على صياغة القرارات والسياسات اللبنانية
من هنا فإن خلاص لبنان في الخروج من ازماته ينطلق في التاكيد ان الإجماع الوطني والميثاقي يشكل حجر الزاوية في إقرار السياسات الخارجية اللبنانية، بحيث انه هو من يمنح القرارات شرعية دستورية ويعزز سيادة الدولة، ويحول دون أن تُستغل الانقسامات الداخلية أو التأثيرات الخارجية للإضرار بالمصالح الوطنية العليا، وهو ما يفرض إبعاد السياسات الخارجية الوطنية عن الإملاءات الخارجية والالتزام بالدستور نصًا وروحًا بما يؤمن الوفاق الوطني المستدام والانتقال إلى بناء الدولة القادرة العادلة، فلبنان بلد رسالة لا بلد صفقة، وطن شراكة لا وطن وصاية.
