الذكاء الاصطناعي والريادة كمدخل لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني / د. هنا عرابي
يشهد لبنان منذ عام 2019 أزمة اقتصادية ومالية تُعدّ من الأشدّ في تاريخه الحديث، صنّفها البنك الدولي ضمن أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية عالمياً منذ منتصف القرن التاسع عشر. تراجَع الناتج المحلي من 55 مليار دولار في 2018 إلى أقل من 25 مليار دولار في 2023، وانهارت العملة الوطنية بما يفوق 98% من قيمتها، فيما ارتفعت معدلات الفقر إلى أكثر من 65%، والبطالة إلى حدود 35% (البنك الدولي، 2023). هذه الأرقام تكشف عن انهيار بنيوي يتجاوز السياسات الظرفية، ويمسّ أساس النموذج الاقتصادي القائم على الريع والتحويلات.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في مواجهة هذا الواقع، يصبح البحث عن بدائل ليس ترفاً بل شرطاً للبقاء. هنا يبرز الذكاء الاصطناعي والريادة كأدوات لإعادة إنتاج الاقتصاد اللبناني على أسس جديدة. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى ملتقى الريادة والذكاء الاصطناعي في النبطية بوصفه مؤشراً على إدراك متنامٍ لأهمية التحول الرقمي في إنقاذ لبنان من أزماته. فالملتقى، تحت شعار نحو مستقبل رقمي للقطاعات التجاري والصناعي، لم يكن حدثاً محلياً عادياً، بل يعكس وعياً بضرورة الانتقال من اقتصاد تقليدي هشّ إلى اقتصاد معرفي رقمي.
الإطار النظري
الذكاء الاصطناعي (AI) لا يُختصر في الأتمتة، بل يتعداه ليشكّل ثورة في طرق اتخاذ القرار وإدارة الموارد. فبفضل خوارزميات التعلم الآلي والتعلم العميق، يمكن تحليل كمّيات ضخمة من البيانات، واستخراج أنماط غير مرئية بالطرق التقليدية. هذا يجعل منه أداة لتقليص الهدر، رفع الكفاءة، وتوليد قيمة مضافة عالية.
الريادة بدورها، كما شرح شومبيتر (1934)، هي القدرة على إدخال “التدمير الخلاق”، أي كسر النماذج التقليدية وإعادة تشكيل الاقتصاد عبر مشاريع مبتكرة. في السياق اللبناني، حيث يعاني الاقتصاد من جمود هيكلي، تصبح الريادة شرطاً لولادة اقتصاد بديل.
الاقتصاد الرقمي يوفّر الإطار الذي يجمع بين الذكاء الاصطناعي والريادة. فهو قائم على الاعتماد الواسع على الأدوات الرقمية في التجارة، الصناعة، الزراعة، والخدمات. وبالنظر إلى ضعف القطاعات التقليدية في لبنان، يُعتبر الاقتصاد الرقمي خياراً منطقياً وملحّاً، وليس مجرد رفاهية تكنولوجية.
الواقع اللبناني
الأزمة الحالية ليست أزمة سيولة أو نقد فقط، بل أزمة نموذج. لبنان تاريخياً اعتمد على ثلاثة مصادر: السياحة، المصارف، وتحويلات المغتربين. لكن هذه المصادر انهارت تباعاً بعد 2019.
التجارة
تشير بيانات جمعية تجار لبنان إلى أن حركة الأسواق التقليدية تراجعت بنسبة تفوق 60% بين 2019 و2022. المحلات أغلقت، والقدرة الشرائية للمواطن انهارت. ومع ذلك، شهدت التجارة الإلكترونية نمواً بنسبة 35%، ما يعكس تحوّل السلوك الاستهلاكي نحو القنوات الرقمية، حتى في ظل ضعف البنية التحتية.
الصناعة
القطاع الصناعي، الذي يمثل نحو 13% من الناتج المحلي، يواجه مشكلات هيكلية: كلفة طاقة مرتفعة، ضعف البنية التحتية، صعوبة الوصول إلى الأسواق العالمية. رغم ذلك، يُظهر القطاع الصناعي مرونة نسبية مقارنة بغيره، خصوصاً الصناعات الغذائية والدوائية.
الزراعة
يمتلك لبنان نحو 330 ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، إلا أن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى 20% من الحاجات الغذائية، ويستورد البلد أكثر من 80% من غذائه (الفاو، 2022). ضعف التخطيط، غياب التكنولوجيا، وسوء التسويق من أبرز أسباب هذا العجز.
الشباب
لبنان يخرّج أكثر من 30 ألف طالب جامعي سنوياً، نصفهم تقريباً في تخصصات علمية وتقنية. هذا المورد البشري، الموزع بين الداخل والاغتراب، يُعدّ ثروة كامنة إذا جرى توظيفه ضمن رؤية للتحول الرقمي.
إمكانات الذكاء الاصطناعي في التجارة
التجارة اللبنانية يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي في عدة مستويات:
- تحليل البيانات الاستهلاكية: جمع وتحليل بيانات المبيعات لتخصيص العروض.
- تطوير التجارة الإلكترونية: عبر منصات دفع رقمية أكثر أماناً وربطها بالقطاع المصرفي الرقمي.
- التسويق الذكي: استخدام الخوارزميات لتخفيض تكاليف الحملات الدعائية، والوصول إلى المستهلكين بدقة أكبر.
في بلد مثل لبنان، حيث تقلّصت الأسواق المحلية، فإن فتح أسواق خارجية عبر التجارة الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لتعويض الانكماش الداخلي.
إمكانات الذكاء الاصطناعي في الصناعة
الصناعة اللبنانية يمكن أن تستعيد تنافسيتها إذا جرى إدخال الذكاء الاصطناعي على خطوط الإنتاج.
الأتمتة الصناعية: الروبوتات وأنظمة التحكم الذكية تخفّض الكلفة وتزيد الدقة.
إدارة الجودة: خوارزميات الكشف البصري الذكي تقلّل نسبة المنتجات المعيبة.
سلاسل التوريد الذكية: متابعة المخزون والنقل في الزمن الحقيقي، ما يخفف الهدر ويزيد الشفافية.
الصناعات الغذائية خصوصاً قادرة على الاستفادة من هذه الأدوات، لتعزيز ثقة الأسواق الأوروبية والخليجية بمنتجاتها.
إمكانات الذكاء الاصطناعي في الزراعة
الزراعة الذكية تمثل إحدى أهم فرص لبنان.
حساسات التربة والمياه: تقليل الهدر في الري بنسبة قد تصل إلى 30%.
التنبؤ المناخي: تقليل الخسائر الناتجة عن التغيرات المفاجئة.
التسويق الرقمي: ربط المزارعين مباشرة بالمستهلكين عبر منصات إلكترونية.
الهند مثلاً رفعت إنتاجيتها الزراعية بنسبة 20% عبر هذه الأدوات. تطبيقات مشابهة في لبنان قد تقلّل فاتورة الاستيراد، وتعيد الاعتبار للقطاع الزراعي كأداة للأمن الغذائي.
دور الشباب والريادة
الطاقات الشبابية اللبنانية، المنتشرة بين الداخل والمهجر، تمثل مخزوناً استراتيجياً. أكثر من 200 شركة ناشئة لبنانية تعمل في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي رغم الصعوبات. المبادرات الجامعية، مثل مسرّعات الأعمال في الجامعة الأميركية وجامعة القديس يوسف، أظهرت أن الريادة الرقمية ممكنة حتى بموارد محدودة.
التحدي الأساسي يكمن في التمويل. هنا يمكن للمغتربين، الذين يحوّلون سنوياً ما يزيد عن 6 مليارات دولار، أن يلعبوا دوراً في تمويل الشركات الناشئة الرقمية، بما يحوّل تحويلاتهم من استهلاك مباشر إلى استثمار إنتاجي.
التحديات البنيوية
رغم الفرص، هناك عوائق كبرى:
الكهرباء: انقطاع مستمر يجعل أي بنية رقمية هشة.
الإنترنت: لبنان في المرتبة 118 عالمياً من حيث سرعة الشبكة، ما يحدّ من التجارة الإلكترونية.
القوانين: غياب إطار تشريعي لحماية البيانات ولتنظيم التجارة الإلكترونية.
الثقة: تراجع ثقة المستثمرين بالدولة يعرقل أي مشروع وطني واسع النطاق.
الدروس المستفادة من التجارب الدولية
الإمارات: أنشأت وزارة للذكاء الاصطناعي عام 2017، فباتت منصة إقليمية للابتكار.
الأردن: أطلق مراكز للابتكار لدعم الشركات الناشئة، رغم محدودية موارده.
الهند: استخدمت الذكاء الاصطناعي في الزراعة والتعليم، وحققت قفزات نوعية.
هذه النماذج تثبت أن النجاح ليس حكراً على الدول المتقدمة، بل على الدول التي تمتلك رؤية وطنية واضحة.

دور ملتقى النبطية
انعقاد ملتقى الريادة والذكاء الاصطناعي في النبطية يحمل رمزية مزدوجة:
كسر مركزية بيروت، وإشراك المناطق في رسم ملامح الاقتصاد الجديد.
إشراك الفاعلين المحليين (غرف التجارة، الجمعيات، الجامعات) في صياغة استراتيجيات وطنية.
تقديم نموذج ملموس على أن الحلول قد تبدأ محلياً من مبادرات صغيرة، قبل أن تتحول إلى سياسات وطنية.
التوصيات
- صياغة خطة وطنية للتحول الرقمي بمشاركة القطاعين العام والخاص.
- إنشاء صندوق وطني للابتكار بتمويل من المغتربين.
- إصدار تشريعات حديثة لتنظيم الذكاء الاصطناعي وحماية البيانات.
- دمج الجامعات كمراكز بحثية متخصصة في التكنولوجيا الرقمية.
- تحفيز الشركات الناشئة عبر إعفاءات ضريبية ودعم حكومي.
- الاستثمار في الطاقة المتجددة لتأمين البنية التحتية للاقتصاد الرقمي.
الخاتمة
يمثل ملتقى النبطية مؤشراً على إدراك لبناني متنامٍ بأن طريق الإنقاذ لا يمر عبر وصفات تقليدية أو انتظار مساعدات خارجية، بل عبر تبني الذكاء الاصطناعي والريادة كخيار استراتيجي. التحديات هائلة، لكن الفرص أكبر: موارد بشرية عالية الكفاءة، انتشار عالمي للمغتربين، وموقع جغرافي استراتيجي.
الاقتصاد اللبناني يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما الانغلاق داخل نموذج ريعي منهار، أو الانفتاح على اقتصاد رقمي يقوده الشباب والتكنولوجيا. الخيار الثاني ليس سهلاً، لكنه وحده الكفيل بإعادة إنتاج الدولة والاقتصاد على أسس مستدامة.
