“الإمام موسى الصدر بين لغز الغياب وحضور الرسالة”/ د. وشاح فرج
في الذكرى السابعة والأربعين لاختفاء الإمام موسى الصدر، عاد اسمه ليتصدر واجهة الإعلام المحلي والدولي. التقرير الذي بثته قناة BBC، وأعده الصحافي قاسم حمادة، ألقى الضوء على صورة غامضة التقطت عام 2011 داخل مشرحة سرية في ليبيا، رجحت تقارير علمية حديثة أن تكون لرفات الإمام. ورغم أن الخيوط لا تزال متشابكة، إلا أن هذه المعطيات الجديدة أعادت فتح جرح قديم في الذاكرة اللبنانية والعربية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لكن، مهما حملت التحقيقات من احتمالات، يبقى السؤال الأعمق: هل غاب الإمام حقآ عن حياة اللبنانيين؟
الإمام موسى الصدر لم يكن مجرد رجل دين، بل كان مشروعآ نهضويآ متكاملآ. حمل هم الوطن والإنسان معآ، فدعا إلى وحدة اللبنانيين جميعآ، وواجه الفقر والحرمان، وأسس للمقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي، واضعآ العدالة الاجتماعية في صلب رسالته.
كان الإمام مدرسة في الاعتدال، يؤمن بالحوار سبيلآ لحل الخلافات، ويرى في تنوع لبنان غنى لا تهديدآ. وفي وقت كانت الانقسامات تهدد الكيان، رفع صوته ليقول: لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه.
تقرير BBC مع الصحافي قاسم حمادة قدم معطيات تستحق التوقف عندها: صورة جثة يحتمل أن تكون للإمام، تحليل وجهي بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وشهادة عن بصيلات شعر ضاعت قبل إجراء فحص الحمض النووي. هذه التفاصيل تفتح الباب أمام نقاش واسع حول ما جرى عام 1978 في ليبيا، لكنها لا تختزل القضية كلها في جانب جنائي أو تقني.
فالقضية، بالمعنى الأوسع، هي قضية شعب وجد في الإمام رمزآ للوحدة والكرامة، وما زال يفتقد قيادته حتى اليوم.
الغياب الجسدي لم يحجب الحضور المعنوي والفكري. فالإمام حاضر في وجدان اللبنانيين جميعآ، في خطاب الاعتدال، وفي كل حركة تسعى إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي. لقد تحول إلى رمز يتجاوز حدود الطائفة والمنطقة، ليمثل فكرة الدولة العادلة التي تحمي مواطنيها دون تمييز.
كلمة أخيرة
التحقيقات الإعلامية، مهما بلغت أهميتها، تبقى خطوة في رحلة طويلة نحو كشف الحقيقة. لكن الأهم أن نتمسك بما تركه الإمام من فكر ومشروع. فالوحدة الوطنية التي دعا إليها، والحوار الذي جعله نهجآ، والعدالة الاجتماعية التي رفعها شعارآ، هي الطريق الأجدى لتكريمه.
إن الإمام موسى الصدر لم يغب، بل صار جزءا من هوية لبنان الحديثة، وصوتاآ حيآ يذكرنا دومآ بأن العدالة والوحدة هما أساس الوطن.
