نبيه بري بين الأمس واليوم: من إسقاط 17 أيار إلى مواجهة مشاريع الوصاية الجديدة
لم يكن السادس من شباط عام 1984 مجرد انتفاضة عابرة في شوارع بيروت وضواحيها، بل لحظة تاريخية أسقطت واحدآ من أخطر الاتفاقات التي عرفها لبنان في تاريخه الحديث.
اتفاق 17 أيار، هذا الاتفاق، الذي سعى إلى تكريس الاحتلال الإسرائيلي كأمر واقع، وجر لبنان إلى مربع الوصاية الأمنية والسياسية، لم يصمد أمام إرادة اللبنانيين وقوى المقاومة الوطنية. وكان الأستاذ نبيه بري، رئيس حركة أمل حينها، في قلب هذا المشهد، لاعبآ أساسيآ في قيادة الشارع وتوجيه البوصلة نحو رفض أي صيغة تنتقص من السيادة الوطنية.
اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود، يعود اسم الرئيس بري ليتصدر واجهة الأحداث، من موقعه رئيسآ لمجلس النواب، وأحد أبرز أركان النظام السياسي اللبناني. ففي لحظة دقيقة وحساسة، نجح الرئيس بري في تعطيل الورقة التي حاول المبعوث الأميركي توم باراك تمريرها، وهي ورقة تحمل في طياتها مقترحات كان يمكن أن تضع لبنان مجددآ في دائرة الارتهان والوصاية. وبين الأمس واليوم، يثبت الرجل أنه ما زال قادرآ على الإمساك بخيوط اللعبة السياسية، مستخدمآ دهاءه المعهود، وخبرته الطويلة في إدارة الملفات المعقدة.
إن توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983 بين الحكومة اللبنانية برئاسة أمين الجميل والعدو الإسرائيلي، جرى برعاية أميركية مباشرة، وكان يفترض أن ينظم انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان مقابل ترتيبات أمنية تمنحه اليد الطولى في الجنوب اللبناني. لكن هذا الاتفاق قوبل بمعارضة واسعة، خصوصآ من القوى الوطنية والإسلامية، التي اعتبرته محاولة لتكريس الاحتلال بغطاء شرعي.
هنا برز دور الرئيس نبيه بري، الذي كان يمثل قوة شعبية متنامية عبر حركة أمل، فقاد تحركآ ميدانياً واسعآ، بانتفاضة 6 شباط 1984 التي أعادت رسم المشهد اللبناني وأسقطت الاتفاق نهائيآ. لقد شكلت تلك اللحظة علامة فارقة في مسيرة الرئيس بري، حيث برز كزعيم وطني، لا كقائد طائفي فحسب، يجمع بين الحضور الشعبي والرؤية السياسية المتماسكة.
وفي المرحلة الراهنة، عاد اسم لبنان إلى واجهة الاهتمام الدولي والإقليمي. ومع تزايد الأزمات الاقتصادية والسياسية، برزت محاولات لإعادة رسم قواعد اللعبة الداخلية عبر وساطات ومبادرات خارجية. ومن بين هذه المحاولات، الورقة التي حملها المبعوث الأميركي من أصل لبناني، توم باراك، والتي تضمنت أفكارآ تسوق على أنها حلول، لكنها في جوهرها كانت محاولة لإعادة إدخال لبنان في دائرة الارتهان للسياسات الأميركية _ الإسرائيلية.
هنا أيضآ ظهر الرئيس بري لاعبآ أساسيآ، بخبرته السياسية التي راكمها على مدى عقود، تعامل مع الورقة ببرود محسوب، مستخدمآ شبكة علاقاته الداخلية والخارجية لإفشالها. لم يرفع شعارات عالية الصوت، لكنه مارس “سياسة الصمت الفاعل”، حيث ترك للمواقف أن تتبلور تدريجيآ حتى سقط المشروع من تلقاء نفسه.
واللافت في مسيرته، أنّه لم يبتعد يومآ عن خط الإمام السيد موسى الصدر، الذي أسس لمعادلة تقوم على وحدة لبنان وحماية أرضه، ومقاومة العدو الإسرائيلي. الإمام الصدر كان يرى في الدولة الضامن الحقيقي لوحدة اللبنانيين وكرامتهم، وتبنى الرئيس بري هذا النهج، فجعل من الحوار الداخلي أداة أساسية، ومن الدفاع عن المقاومة خيارآ استراتيجيآ.
منذ انخراطه في الحياة السياسية، اختار أن يلعب دور صمام الأمان، متجنبآ الانزلاق إلى صراعات داخلية مدمرة، ومفضلآ دومآ التسويات التي تحمي الكيان اللبناني. وفي هذا السياق، تأتي مواجهته لمشاريع الوصاية الجديدة كجزء من هذا الخط: مواجهة بحزم، لكن من دون مغامرة أو تهور.
ولا يختلف خصوم الرئيس بري قبل حلفائه على أنه يمتلك قدرة استثنائية على المناورة السياسية. يعرف متى يرفع السقف ومتى يتراجع خطوة إلى الوراء، لكنه لا يساوم على الثوابت الكبرى: حماية لبنان، الدفاع عن المقاومة، والحفاظ على وحدة الدولة.
هذه الحنكة جعلت منه شخصية يصعب تجاوزها في أي استحقاق لبناني. فهو حاضر في كل الملفات، من رئاسة الجمهورية إلى تشكيل الحكومات، ومن الحوار الوطني إلى التوازنات الإقليمية. وفي كل مرة، يثبت أنه “رجل اللحظة”، القادر على تحويل التعقيد إلى فرصة، والأزمات إلى مساحات للتفاوض والبناء.
وبين إسقاط 17 أيار بالأمس، وإحباط ورقة باراك اليوم، يبدو أن الثابت في مسيرة الرئيس بري، هو تمسكه بالسيادة اللبنانية ورفضه لأي وصاية خارجية. أما المتغير، فهو الأدوات والأساليب، من المواجهة الميدانية المباشرة في الثمانينيات، إلى المناورة السياسية والدبلوماسية في العقدين الأخيرين.
هذا التحول يعكس نضجآ سياسيآ تراكميآ، لكنه يثبت أيضآ أن الزعيم الذي نشأ في رحم الصراع مع الاحتلال لم يبدل جلده، بل ظل وفيآ للخط الذي رسمه الإمام الصدر، مع تحديث أدواته بما يتناسب مع ظروف كل مرحلة.
إن قراءة مسيرة الرئيس بري، من انتفاضة السادس من شباط، إلى محطات اليوم، تكشف عن شخصية سياسية فريدة في المشهد اللبناني، فهو رجل يجمع بين الحضور الشعبي، والقدرة على إدارة التوازنات، بين الثبات على المبادئ والمرونة في الأسلوب. وفي بلد يرزح تحت الضغوط الاقتصادية والسياسية والإقليمية، يبقى الرئيس بري لاعبآ أساسيآ، قادرآ على حماية لبنان من الانزلاق نحو مشاريع الوصاية، تمامآ كما فعل بالأمس حين أسقط اتفاق 17 أيار.
وبين الأمس واليوم، يظل نبيه بري علامة على حنكة سياسية قل نظيرها، ورمزآ لمسيرة وطنية مستمرة على خط الإمام موسى الصدر، خط الدفاع عن لبنان السيد الحر المستقل.
