التدريب كمدخل إستراتيجي لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية في الإدارة البلدية
كتبت د.هنا عرابي
التدريب البلدي في لبنان أداة استراتيجية لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، عبر تطوير النزاهة المالية، أخلاقيات الوظيفة العامة، واستخدام التكنولوجيا لمراقبة الأداء البلدي.
مقدمة
يُعَدّ الفساد واحدًا من أبرز العوائق أمام التنمية المحلية في لبنان، حيث تُظهر تقارير الشفافية الدولية (2024) أن لبنان احتل المرتبة 154 من أصل 180 دولة على مؤشر مدركات الفساد، وهو ترتيب يعكس تراجع ثقة المواطنين بالدولة وبمؤسساتها.
وبينما يُنظر عادة إلى الفساد في إطاره المركزي المرتبط بالوزارات والإدارات العامة، إلا أن البلديات لم تسلم من هذه الظاهرة، حيث تحوّلت إلى ساحات للمحاصصة السياسية والزبائنية، ما أفقدها دورها الأساسي كحاضنة للتنمية المحلية.
في هذا السياق، يبرز التدريب البلدي كأداة استراتيجية لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، ليس فقط عبر رفع كفاءة المجالس البلدية، بل أيضًا من خلال بناء ثقافة جديدة قائمة على النزاهة والمساءلة والمشاركة المجتمعية.
مظاهر الفساد البلدي في لبنان
الفساد البلدي في لبنان يتخذ أشكالًا متعددة تتجاوز الرشوة المباشرة، ويمكن تلخيص أبرز مظاهره وفق تقارير ديوان المحاسبة (2023) والمركز اللبناني للدراسات (LCPS, 2023) بما يلي:
-
غياب الشفافية المالية: أكثر من 70% من البلديات لا تنشر موازناتها بشكل علني، أو تنشرها بصيغ معقدة وغير مفهومة.
-
التوظيف العشوائي: غالبية الوظائف تُملأ بناءً على الولاءات العائلية أو الطائفية، لا على الكفاءة.
-
الصفقات العمومية: نحو 60% من العقود البلدية يتم عبر التراضي بدلًا من المناقصات العامة.
-
ضعف الرقابة الداخلية: أجهزة الرقابة مثل التفتيش المركزي لا تملك القدرة الفعلية على متابعة آلاف البلديات.
-
غياب المشاركة الشعبية: معظم المجالس البلدية لا تتيح للمواطنين الاطلاع على المشاريع أو مراقبتها.
هذه المظاهر انعكست على مستوى الخدمات العامة، إذ أظهرت دراسة للبنك الدولي (2022) أن 45% من البلديات فشلت في جمع النفايات بانتظام خلال العام، فيما تراجعت مشاريع البنية التحتية إلى أقل من 30% من حاجات السكان.
جمعية ارشاد تنظم ورشة عمل للبلديات في بيروت وجبل لبنان وجبيل والشمال وعكار
التدريب كأداة استراتيجية لمكافحة الفساد
1. تعزيز النزاهة المالية
التدريب على إعداد الموازنات وفق معايير واضحة ونشرها عبر منصات إلكترونية يضمن شفافية أكبر. ويمكن هنا الاستفادة من تجربة قانون الشراء العام (244/2021) الذي نص على إنشاء منصات إلكترونية للمناقصات.
2. تطوير أخلاقيات الوظيفة العامة
إدخال مدونات سلوك للموظفين البلديين عبر تدريبات متخصصة، ما يخلق ثقافة جديدة ترفض تضارب المصالح.
3. استخدام التكنولوجيا لمكافحة الفساد
التدريب على نظم الحوكمة الإلكترونية، مثل نشر العقود والموازنات على مواقع إلكترونية أو منصات رقمية، ما يتيح للمواطنين ممارسة رقابة مباشرة.
التجارب الدولية المقارنة
-
تونس: بعد 2011، أطلقت وزارة الشؤون المحلية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي برنامجًا لتدريب رؤساء البلديات على “الميزانية التشاركية”، ما زاد المشاركة الشعبية بنسبة 35%.
-
الأردن: بدعم من UNDP، نُفذت تدريبات على النزاهة المالية، ما أدى إلى ارتفاع نسبة البلديات التي تنشر موازناتها من 20% عام 2017 إلى 65% عام 2022.
-
المغرب: اعتمدت وزارة الداخلية برامج تدريبية حول “إدارة الصفقات العمومية” عبر “الجماعات الترابية”، مما ساهم في رفع الشفافية وخفض الشكاوى القضائية المرتبطة بالفساد البلدي بنسبة 25%.
الحاجة اللبنانية للتدريب الممنهج
لبنان يفتقر حتى الآن إلى مؤسسة وطنية متخصصة في تدريب البلديات. وبحسب وزارة الداخلية (2022)، فإن أكثر من 75% من البلديات الصغيرة لا تضم موظفين متخصصين في الإدارة المالية أو التخطيط. لذلك، تصبح الأولويات:
-
إنشاء معهد وطني لتدريب البلديات على غرار “المدرسة الوطنية للإدارة” الفرنسية.
-
فرض تدريب إلزامي لرؤساء البلديات قبل استلام مهامهم.
-
إشراك الجامعات ومراكز الأبحاث في تصميم برامج تدريبية متخصصة.
أثر التدريب على ثقة المواطنين
تشير دراسة للبنك الدولي (2021) أجريت في بعض بلديات البقاع والشوف إلى أن البلديات التي اعتمدت التدريب على “الموازنة التشاركية” ارتفع فيها مستوى ثقة المواطنين بنسبة 40% مقارنة ببلديات أخرى لم تطبق التدريب.
الفساد البلدي ليس مسألة تقنية، بل أزمة سياسية–اقتصادية تهدد التنمية المحلية. ومع ذلك، يشكل التدريب البلدي خطوة أساسية لبناء قدرات البلديات، وإرساء الشفافية، واستعادة ثقة المواطنين. مكافحة الفساد تبدأ من القاعدة، أي من البلديات، والتدريب هو المدخل الأكثر عملية لتحقيق هذا الهدف.
