مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، يتكثّف الحديث عن خريطة التحالفات، وسط محاولات متكررة لإظهار الشيعة وكأنهم معزولون أو أن هناك سعياً دولياً وإقليمياً لعزل هذا المكوّن عن بقية الأقطاب الوطنية. لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير: فالشيعة ليسوا الحلقة الأضعف، بل هم بيضة القبّان التي تُرجّح كفة الحلفاء في أي معركة انتخابية.
الوقائع تثبت أن التحالفات في الاستحقاقات الانتخابية الماضية كشفت بوضوح أن المكوّن الشيعي كان مانح الأصوات الأساسية لشركائه، وأنه لولا هذه الأصوات لما تمكن كثيرون من الوصول إلى مقاعدهم النيابية. بمعنى آخر، السؤال المشروع: من يحتاج أصوات الآخر؟ الجواب واضح: من يسعى إلى عزل الشيعة سيكتشف سريعاً أنه يعزل نفسه عن رافعة انتخابية حقيقية.
أما الفرضية التي تقول إن الشيعة بلا حلفاء من خارج بيئتهم، فهي مغالطة خطيرة. فالتحالفات العابرة للطوائف أثبتت في أكثر من محطة أن التواصل والانفتاح ممكنان، وأن أي مشروع انتخابي جاد لا يمكن أن ينجح إلا من خلال شراكات تتجاوز الحسابات الضيقة.
لكن الأخطر من ذلك هو أن اللعب بورقة العزلة يخدم أجندات خارجية تريد تحويل المكوّن الشيعي إلى هدف سياسي داخلي بعدما فشلت محاولات استضعافه عسكرياً وأمنياً. هذا النهج لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام الداخلي، وهو ما يسعى إليه بعض الخارج لتفتيت الساحة اللبنانية.
الحل ليس بالمزيد من التحريض أو بتسويق أوهام العزلة، بل بانصهار وطني حقيقي يُعيد الاعتبار للمصلحة العامة فوق كل المشاريع الخاصة. فالانتخابات المقبلة يجب أن تكون مساحة لترسيخ الشراكة الوطنية لا لتفجيرها، ومجالاً لتخفيف الاحتقان لا لتأجيجه.
إن أي محاولة لعزل الشيعة أو تهميشهم لن تفشل فقط، بل سترتدّ سلباً على أصحابها. فاللبنانيون، بكل مكوّناتهم، أمام خيار مصيري: إمّا تعزيز الانفتاح والتلاقي، وإمّا الانجرار إلى مشاريع التفتيت والتقسيم التي لم ولن تخدم أحداً.
