لم يكن الشهيد المسعف والمنقذ في الدفاع المدني ــ الهيئة الصحية الإسلامية في بلدة حاروف، علي السيد، مجرد عنصر إسعاف يؤدي واجبه اليومي، بل كان واحداً من أولئك الذين اختاروا أن يعيشوا في قلب الخطر ليمنحوا الآخرين فرصة النجاة. ارتقى علي شهيداً جراء العدوان الإسرائيلي الذي استهدف بشكل مباشر مركز الهيئة الصحية الإسلامية في حاروف، مدمّراً المبنى فوق رؤوس من فيه، في جريمة جديدة طالت رسالة الإنسانية والإغاثة.

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2023، اتخذ علي قراره بالبقاء في بلدته حاروف، رافضاً مغادرتها رغم القصف المتكرر والغارات العنيفة التي كانت تستهدف المنطقة بشكل شبه يومي. كان يرى أن مكانه الطبيعي بين الناس، في الأزقة التي يغطيها الغبار، وبين المنازل التي تحولت إلى ركام، وعلى الطرقات التي امتلأت بصوت سيارات الإسعاف وصراخ الأهالي.

عرفه أبناء بلدته شاباً هادئاً، قليل الكلام، لكنه حاضر في كل لحظة وجع. لم يكن ينتظر نداءً رسمياً ليتحرك، بل كان من أوائل الواصلين إلى أماكن الاستهداف، يحمل معداته الطبية بيد، ويبحث عن العالقين تحت الركام باليد الأخرى. لم يتعامل مع مهمته كوظيفة أو تكليف عابر، بل كرسالة إنسانية اختار أن يكرّس لها حياته بالكامل.
وتروي مراسلة شبكة الزهراني الإخبارية “ZNN”، تفاصيل مؤثرة عن الشهيد، مؤكدة أنّه تحوّل خلال الحرب إلى عنوان دائم للمساعدة والمعلومة والتوثيق. تقول إنها كانت على تواصل شبه يومي معه لمعرفة تفاصيل الغارات وأماكن الاستهداف في حاروف ومحيطها، فكان يجيبها بهدوئه المعتاد، بعد أن يتأكد بنفسه من طبيعة المكان المستهدف وما إذا كان المدنيون بخير. حتى في أحلك الظروف، كان حريصاً على ألا يثير الذعر بين الناس، وكأن همه الأول كان طمأنة الجميع قبل أي شيء آخر.
وتتابع المراسلة أنّ علي لم يكن مجرد ناقل للمعلومات، بل شاهداً حقيقياً على المأساة اليومية التي عاشتها قرى النبطية. فمن حاروف إلى زوطر الشرقية وأرنون ويحمر الشقيف، كان حاضراً في عمليات إزالة الركام وفتح الطرقات وانتشال المصابين، يعمل لساعات طويلة تحت تهديد الطيران الحربي المعادي والاستهداف المتكرر، غير آبه بإرهاقه أو بالخطر الذي يحيط به.
وتستذكر حادثة بقيت عالقة في ذاكرتها قبل نحو أسبوعين من استشهاده، عندما استهدفت غارة معادية مبنى سكنياً في حي الثغرة في بلدة حاروف، ما أدى إلى إصابة المسن حسان عياش. يومها، سارع علي مع رفاقه إلى المكان، وعملوا على إسعاف الرجل ونقله إلى المستشفى. وبعد انتهاء المهمة، طلبت منه تصوير مشهد قصير للمسن المصاب لتوثيق آثار العدوان، فلبّى الطلب فوراً، ثم أرسل لها صورة تجمعه بالمسن قائلاً بابتسامة: “صورة تذكارية”. لم يكن يدرك أن تلك الصورة ستتحول لاحقاً إلى واحدة من أكثر الصور وجعاً بعد استشهاده.

ويؤكد أبناء حاروف وكل من عرف علي السيد أنّه كان مثالاً نادراً للشجاعة والتواضع ونكران الذات. لم يكن يبحث عن شهرة أو ظهور إعلامي، بل كان يهرب من الكاميرات غالباً ليتقدم نحو الجرحى والأنقاض. عرفه الناس بابتسامته الدائمة رغم التعب، وبحضوره السريع في كل استغاثة، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بالأمان بالنسبة لكثير من العائلات التي عاشت تحت القصف.
وبالتالي، فٳن استهداف مركز الهيئة الصحية الإسلامية في حاروف لم يكن مجرد اعتداء على مبنى، بل استهداف مباشر لرجال اختاروا إنقاذ الأرواح وسط الحرب. وبين الركام والدخان، ارتقى علي السيد شهيداً كما عاش دائماً: في الصفوف الأمامية، قريباً من الناس، وحاملاً رسالته الإنسانية حتى اللحظة الأخيرة.
رحل علي السيد جسداً، لكن صورته ستبقى محفورة في ذاكرة الجنوب؛ شابٌ حمل ضميره على كتفيه، وواجه الموت كل يوم لينقذ حياة الآخرين، قبل أن يخطفه العدوان شهيداً على طريق الإنسانية والوفاء.
