تواجه مجتمعاتنا العربية والإسلامية حربًا ثقافية متعددة الأوجه والأدوات، تهدف إلى تغيير مفاهيمها وعقائدها وعاداتها، وسعيًا لتشكيل الفرد وفق النمط الغربي كخطوة أولى نحو بناء مجتمع خاضع لقيم وممارسات تتعارض في مجملها مع ديننا وقيمنا وحتى مع المبادئ الإنسانية العامة. الهدف هو إسقاط المجتمعات من الداخل، أو استعمار عقولها، أو تسييرها عن بُعد عبر فرض قوانين تحت مسميات مثل «الحداثة»، و«العصرنة»، و«محاربة الجهل والتخلف والرجعية»، أو باسم «الديمقراطية» وفق التوصيف الأمريكي، لا بمفهومها الأصيل.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
منذ أكثر من ستة عقود، تتقاذف مجتمعاتنا عواصف فكرية وثقافية وأيديولوجيات مستوردة، تتراوح بين الفكر الاشتراكي الشيوعي أو الإيديولوجيات التكفيرية المتقلبة، أو الثقافة الغربية. وغالبًا ما يأتي هذا الاستيراد بوجهه السلبي: تحويل المرأة إلى سلعة للدعاية أو الاستثمار، الترويج للمثلية، تآكل القيم الاجتماعية والأخلاقية، بينما يغيب الجانب الإيجابي المرتبط بتطوير العلوم وتحسين سبل العيش. ولا يغيب عن الأنظار غياب مقاومة ثقافية وفكرية فعّالة لهذه الحرب الشرسة، عدا محاولات فردية محدودة.
يتزامن ذلك مع محاولات ترويع الإسلام وتفسيره ليتوافق مع الأفكار الغربية الدخيلة، مما يؤدي إلى تفريغ الإسلام من جوهره؛ فتارةً يُشبَّه بالاشتراكية، وتارةً بالديمقراطية، مع التهرّب من طرح جوهره الأصيل كنظام سياسي واجتماعي شامل. كما يعمل أصحاب ما يُسمّى «الإسلام السياسي» متعدد الأسماء، والمرتبط أحيانًا بجهات خارجية، على إعادة تشكيل الخطاب بما يخدم مصالح هذه الجهات.
لقد نجحت منظومة النفوذ الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، في تغيير أسس المفاهيم القانونية والسياسية والأخلاقية وفرضها على مؤسسات القانون الدولي وعملائها. ومن أمثلة هذا التحوير:
-
تحريف مفهوم المقاومة وحق الشعوب في تحرير أرضها، وتحويل كل حركة مقاومة للمشروع الأمريكي إلى «إرهابية»، واعتماد قرارات بعض العواصم كمرجعية دولية بدلًا من القانون الدولي، ما منح أمريكا دور «مأمور النفوس العالمي».
-
تغيير مفهوم الاحتشام والستر والحجاب وتحويله في بعض السياقات إلى علامة «تخلّف»، بينما تُعانق المجتمعات الغربية الإباحية والتحرر كدلالة على العصرية.
-
تغيير مفهوم حرية المرأة والأمومة عبر تشجيع نموذج «الأم العازبة» والأسرة الأحادية، بما يهدد مفهوم الأمومة التقليدية ويفتّت البنية الأسرية، تماشيًا مع معاهدات ومواثيق تُناقش في أحيان كثيرة خارج الإطار المجتمعي المحلي.
-
إعادة تعريف الزواج ليتسع لزواج المثليين، وهو ما يتعارض مع المفاهيم الدينية والطبيعية للأسرة والتناسل، ويثير تساؤلات حول دور القِيَم في الحفاظ على التماسك الاجتماعي.
-
ترويج سلوكات وأذواق تُسقط منظومة الأخلاق العامة عبر المخدرات والملاهي الليلية والإباحية، وتسطيح الثقافة والفن، وتقديم أزياء ومظاهر سطحية كرموز حداثية.
نحن اليوم نقف على ثغور الدفاع المادي عن الأرض، حاملين البنادق لمواجهة العدو المحتل؛ لكننا مكلفون أيضًا بحراسة عقول أبنائنا وبناتنا من «الاستعمار الثقافي الناعم» الذي يستبدل مرجعياتنا الشرعية والوطنية بمرجعيات استهلاكية وثقافية فارغة — «ولاية مصممي الأزياء» و«ولاية الحلاقين والمطربين» — يتبعها البعض طوعًا دون نقاش، ويبددون هوية مجتمعهم مقابل أُطر استهلاكية.
لقد استُبيحت ثقافتنا بلا مقاومة فكرية جامعة؛ نربي أطفالنا على محتوى بعض برامج الرسوم المتحركة والأفلام المنتَجة غربًا، فتُزرع في عقولهم مفاهيم قد تروّج للعنف أو الانحراف أو العزلة الاجتماعية، حتى صار التلفاز والهاتف يعملان كـ«الأم المربية» لدى كثيرين. وتمت استعمار عقول فئات واسعة فأصبح البعض ـ دون إدراك ـ جنودًا لنمط فكري غربي يصب في مشاريع توجيهية لا تخدم مصالح الأمة.
فهل سيبادر أهل العلم والمعرفة والثقافة والأخلاق لمواجهة هذه الحرب الخبيثة؟ أم ستبقى عقول أجيالنا معرضة لغزو ثقافي يغيّب هويتهم ويقوّض مستقبل مجتمعاتنا؟
قاوموا… فـنزع الفكر والعقيدة أخطر من نزع السلاح.
