غارة عين الحلوة: رسالة إسرائيلية دموية تتجاوز غزة وتفتح جبهة الردع في لبنان/ جنان طرحة
شهد مخيّم عين الحلوة في مدينة صيدا جنوب لبنان، مساء الثلاثاء، واحدة من أعنف الضربات التي تتعرّض لها المخيمات الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار، بعدما استهدفت مسيّرة إسرائيلية محيط مسجد خالد بن الوليد بثلاثة صواريخ متتالية. الهجوم أدى إلى استشهاد 13 شخصاً وإصابة آخرين، وفق حصيلة رسمية أعلنتها وزارة الصحة اللبنانية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وجاءت الضربة بعد أقل من ساعة على تصريح رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي شدد على أن حكومته “مصمّمة على استكمال الحرب في جميع الساحات”، في إشارة تعكس نيّة واضحة لتوسيع رقعة التصعيد خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.
رواية الاحتلال تحدثت عن استهداف “عناصر من حركة حماس داخل مجمّع تدريبي”، مدّعياً استخدام ذخائر دقيقة واتخاذ إجراءات لتفادي إصابة المدنيين.
لكنّ المعطيات الميدانية تناقض هذه الرواية، إذ يشير مراقبون إلى أن الموقع ملاصق لمسجد ويقع ضمن نطاق ملعب يرتاده الفتيان في هذا التوقيت، ما يؤكد معرفة الجيش الإسرائيلي بوجود مدنيين في المنطقة.
هذا الترابط يعكس سياسة تقوم على الردع عبر الصدمة، عبر إيصال رسالة مباشرة لحركة “حماس” بأن أي نشاط داخل المخيمات الفلسطينية سيجري التعامل معه باعتباره هدفاً مشروعاً، سواء كان ذا طابع عسكري أم مدني.
في المقابل، اعتبرت حركة “حماس” أنّ ما جرى هو مجزرة متعمدة بحق أبناء المخيم، نافياً مسؤولون فيها استهداف أي موقع تدريبي أو شخصية قيادية.
وأوضح أيمن شناعة، مسؤول الحركة في صيدا، أن أغلب الشهداء هم أطفال دون الثامنة عشرة، مؤكداً أن الاحتلال كان على بيّنة تامة بمن يتواجد في المكان، ما يجعل الهجوم رسالة انتقامية واضحة.
وعقب الضربة، عمّت حالة غضب واسعة أزقة المخيم، حيث خرج السكان في مسيرات حاشدة تنديداً بما جرى وتضامناً مع عائلات الشهداء.
هذا الغضب الشعبي أعاد تثبيت وحدة أهالي المخيم رغم الانقسامات السياسية التقليدية، وأعاد تجميع المجتمع المحلي حول ضرورة الدفاع عن المدنيين في مواجهة العدوان.
وفي صيدا، أعلنت الجهات الرسمية إقفال المدارس يوم الأربعاء حداداً، فيما عملت فرق الإسعاف على نقل الجرحى وانتشال الضحايا وسط مشاهد دمار واسع وحالة هلع، وثّقتها تسجيلات مصوّرة انتشرت فور وقوع القصف.
وتكشف هذه الضربة عن تحوّل لافت في قواعد الاشتباك في جنوب لبنان، خصوصاً في ما يتعلق بالمخيمات الفلسطينية التي كانت إسرائيل تتجنّب استهدافها مخافة انزلاق الأمور إلى مواجهة أشمل مع لبنان.
ويبدو أن اختيار عين الحلوة تحديداً يعكس محاولة لتمرير ضربة محسوبة لا تستفز حزب الله مباشرة، لكنها توجه رسالة ردع قوية لحركة “حماس” خارج غزة.
فالاستهداف ليس مجرد حادث عابر، بل يحمل أبعاداً استراتيجية متعددة: عسكرياً، يكشف نية توسيع العمليات داخل لبنان، وأمنياً يسعى لفرض معادلة ردع جديدة عبر ضرب مواقع مدنية مكتظة رغم معرفة العدو المسبقة بوجود الأطفال فيها، بما يضاعف الطابع الانتقامي للهجوم.
كما يسهم في إشعال غضب شعبي قد يترك أثراً على الاستقرار المحلي، لكنه في الوقت نفسه يعكس تلاحماً اجتماعياً كبيراً أمام العدوان.
بهذا المعنى، تمثّل ضربة عين الحلوة مرحلة تصعيد جديدة وخطيرة، تُدخل لبنان في مسار حساس قد يحمل تداعيات أوسع على أمن الجنوب واستقراره في المرحلة المقبلة.
