كتبت الباحثة التربوية الأستاذة حوراء غندور
بالأمس فقط، قال لي أحد طلابي — وهو اليوم يدرس العلوم الدينية في الحوزة في النجف — كلماتٍ لم تكن عابرة، بل كانت شهادة حياة.
قال لي كم هو ممتن لكل ما فعلته له،
وشكرني لأنني أصررتُ يومًا على أن يتعلّم اللغة الإنكليزية،
حين كان يظن أنها لا تعنيه،
ولا تدخل في مساره،
ولا تشبه عالمه.
ثم قال، وبثقة لا تُشترى:
“اليوم أستطيع أن أتحدث بطلاقة باللغة الإنكليزية،
أشرح الدين للأجانب،
أتحاور معهم،
وأبني جسور فهم بدل جدران سوء الظن…
وكل الفضل، وكل الأجر، يعود لكِ.”
كم يجبر الخاطر هذا الكلام…
وكم يوجع في الوقت نفسه.
لأنه يضعنا أمام سؤال لا مهرب منه:
ماذا نصنع حقًا في التربية؟
هل نُنهي منهجًا؟
أم نُغيّر مسار إنسان؟
التربية التي لا تُؤنسن… تُكسِر
دعونا نقولها بلا تجميل:
كثير من ممارساتنا التربوية تكسر الإنسان باسم الانضباط،
وتُخيفه باسم التقييم،
وتُسكت صوته باسم “الاحترام”.
نطلب من الطالب أن يكون:
مطيعًا،
هادئًا،
متفوّقًا،
ثم نستغرب لماذا يخرج هشًّا، خائفًا، بلا رأي ولا مبادرة.
لا يمكنك أن تصنع قائدًا من إنسان مكسور.
أنسنة الإنسان ليست شعارًا… بل موقفًا
أنسنة الإنسان تعني أن تؤمن بالطالب
قبل أن يؤمن هو بنفسه.
أن تصرّ على تعليمه،
لا لتفرض عليه طريقًا،
بل لأنك ترى فيه أفقًا لا يراه بعد.
أن تمنحه اللغة،
الفكرة،
الأداة،
لأنك تدرك أن المعرفة قد تصبح يومًا رسالة.
كما حدث مع هذا الطالب.
هنا تبدأ القيادة
القيادة لا تولد من الحفظ.
ولا من الخوف.
ولا من الصمت.
القيادة تولد حين يشعر الإنسان:
أنه مرئي،
مسموع،
وموثوق.
حين يُسمح له أن يخطئ دون إذلال،
وأن يسأل دون سخرية،
وأن يختلف دون عقاب.
في تلك اللحظة،
يتحوّل الطالب من متلقٍ إلى فاعل،
ومن تابع إلى صاحب أثر.
في زمن الكراهية… هذه هي التربية المطلوبة
في عالمٍ تمزّقه الصور النمطية،
وسوء الفهم،
والخطاب المتشنّج،
نحتاج قادة:
يتقنون لغة الآخر،
يفهمون ثقافته،
ويشرحون هويتهم بثقة لا بعدائية.
وهذا لا يُبنى بمنهج جامد،
بل بمعلّم إنساني
فهم أن التربية ليست تلقينًا…
بل حماية للإنسان من أن يتحوّل إلى نسخة مشوّهة من نفسه.
خلاصة لا أعتذر عنها
حين يخبرك طالبك بعد سنوات
أنك كنت سببًا في صوته،
وفي رسالته،
وفي قدرته على أن يكون جسرًا لا حاجزًا،
تدرك أن التربية الحقيقية
لا تُقاس بعلامة،
ولا بشهادة،
ولا بنسبة نجاح.
أنسنة الإنسان هي التربية.
وما دون ذلك… تدريب بلا روح .
