مع تحوّل التمايزات السعودية – الإماراتية من خلافات مكتومة إلى صراع عسكري مباشر على الساحة اليمنية، برز مشهد لافت في الإعلام اللبناني تمثّل في «الاختفاء المفاجئ» لغالبية الإعلاميين والمحللين الذين دأبوا في السنوات الماضية على الترويج للسياسات الإماراتية، أو الدفاع عنها تحت عناوين براقة كـ«الاعتدال» و«التحديث» و«الانفتاح».
هؤلاء، ولا سيما من المحسوبين على ما يُعرف بحملة «الإقامات الذهبية» والمصالح المرتبطة بها، آثروا الصمت أو التواري عن الأنظار، في لحظة سياسية حساسة لم تعد تحتمل ازدواجية الخطاب أو اللعب على الحبال.
هذا الغياب لم يكن عفوياً، بل جاء نتيجة قرار واضح وحاسم اتخذته إدارات ورؤساء مؤسسات إعلامية لبنانية مؤثرة، قضى بالامتناع الكامل عن أي تعليق أو اصطفاف في هذا النزاع، مهما كان مبطناً أو موارباً.
فقد أُبلغ الصحافيون والمعلّقون صراحةً بأن الحفاظ على ثقة المملكة العربية السعودية يُعدّ خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن أي مغامرة إعلامية قد تُفسَّر على أنها انحياز للإمارات في هذه المرحلة قد تكون كلفتها عالية سياسياً ومالياً، وتتجاوز بكثير المكاسب الآنية التي راكمتها بعض الجهات من علاقاتها مع أبوظبي.
ويعكس هذا التحوّل حجم الإرباك الذي أصاب شريحة واسعة من الإعلاميين الذين بنوا خطابهم خلال السنوات الأخيرة على قاعدة التموضع الإقليمي المصلحي، لا على قناعات سياسية ثابتة. فحين كان الخلاف السعودي – الإماراتي يُدار خلف الكواليس، أمكن لهؤلاء التوفيق بين الولاءين أو تسويق سرديات توفيقية. أما اليوم، ومع انتقال الصراع إلى مستوى عسكري مكشوف، فقد سقطت الأقنعة، وبات الصمت الخيار الأكثر أماناً.
كما يكشف المشهد عن هشاشة ما يُسمّى «الاستقلالية الإعلامية» في لبنان، حيث تُحدَّد سقوف الخطاب تبعاً لموازين القوى الإقليمية، لا لمعايير مهنية أو وطنية.
فالإعلام الذي كان صاخباً في الدفاع عن سياسات خارجية محددة، وجد نفسه عاجزاً عن تبرير موقفه أو حتى عن شرح أسبابه لجمهوره، مفضلاً الانكفاء بانتظار اتضاح صورة الصراع ومن ستكون له الغلبة.
في المحصلة، لم يكن «الاختفاء» مجرد صدفة، بل تعبيراً واضحاً عن مرحلة انتقالية حرجة، يُعاد فيها فرز الاصطفافات، ويُختبر فيها ولاء الإعلام اللبناني لمحاوره الإقليمية، على حساب دوره الرقابي والنقدي المفترض.
المصدر: خاص ZNN
