هل تنجح الدبلوماسية في إنقاذ لبنان من ارتدادات المواجهة؟/ آية يوسف المسلماني
في لحظة إقليمية تتشابك فيها الرسائل السياسية مع الاستعراض العسكري، يتقدّم مسار التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران تحت سقفٍ مرتفع من التصريحات والتحركات الميدانية.
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أعلن أن بلاده تفضّل التوصل إلى تسوية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن امتلاك إيران لسلاح نووي أمر غير مقبول، وأن الخيارات الأخرى تبقى قائمة إذا لم تُفضِ المباحثات إلى نتيجة.
هذا الخطاب يعكس تمسّكاً بالدبلوماسية من جهة، وإبقاء أدوات الضغط حاضرة من جهة أخرى.
في المقابل تتحدث تقارير إعلامية عن مقترح إيراني مفصّل أُعد ليُطرح في جولة التفاوض، وسط تقديرات بأن فرص الاتفاق ليست مرتفعة، لكنها ليست مستحيلة.
وبين الموقفين تتحرك المنطقة على إيقاع ترقب حذر، حيث لا شيء محسوم، ولا مسار مغلق بالكامل.
المشهد السياسي يتزامن مع مؤشرات ميدانية لافتة.
فقد نشرت أسوشيتد برس صور أقمار صناعية أظهرت انتقال قطع بحرية أميركية من مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين إلى عرض البحر. كما أورد إعلام عبري معلومات عن وصول مقاتلات F-22 أميركية إلى إسرائيل، في سياق تنسيق عسكري بين الجانبين.
وتزامناً مع ذلك، شهدت أجواء شرق المتوسط مناورات جوية استثنائية شملت قبرص وفلسطين ولبنان والأردن، في خطوة لافتة من حيث التوقيت والامتداد الجغرافي.
كما لوحظ غياب ممثل إسرائيل عن اجتماع الميكانيزم، بالإضافة إلى غياب رئيس اللجنة الأميركية، وهو ما اعتبره مراقبون إشارة لافتة ضمن متابعة الملف النووي والإقليمي.
هذا الغياب يزيد من حساسية المشهد لكنه لا يعني بالضرورة قراراً محدداً للتصعيد، بل يعكس مستوى التنسيق والمراقبة الحذر قبل أي خطوة محتملة.
وتزامناً مع هذه التطورات، أضافت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حول رفض إيران مناقشة ملف الصواريخ بُعداً جديداً للخلاف، إذ اعتبر أن طهران تمتلك أسلحة تقليدية مصممة لاستهداف الولايات المتحدة، وأن هذا يشكّل تحدياً إضافياً لمسار المفاوضات.
هذا التصريح يعزز فكرة أن الخلاف لا يقتصر على الملف النووي، بل يشمل عناصر أخرى في المنظومة الدفاعية الإيرانية.
هذا التوازي بين التفاوض والتحركات العسكرية لا يعني بالضرورة أن مواجهة وشيكة باتت أمراً حتمياً، لكنه يعكس مستوى عالياً من الجهوزية ورغبة واضحة في تثبيت خطوط حمراء قبل الوصول إلى أي تفاهم.
في إدارة الأزمات الكبرى كثيراً ما تُستخدم القوة كأداة ضغط سياسية، سواء لتحسين شروط التفاوض أو لتأكيد حدود لا يمكن تجاوزها.
في هذا السياق، يبرز السؤال اللبناني بحدّته الهادئة: حتى لو نجحت المفاوضات الأميركية_الإيرانية، هل يكون لبنان بمنأى عن أي ارتدادات؟
أم أن ساحات المنطقة ستظل جزءاً من معادلة الرسائل المتبادلة، سواء أُبرم اتفاق أم تعثّر؟
القلق لا يرتبط فقط بإمكانية فشل التفاوض، بل أيضاً بطبيعة أي اتفاق محتمل.
هل يأتي على شكل تسوية تقنية تضبط الملف النووي حصراً؟
أم يترافق مع إعادة ترتيب أولويات إقليمية أوسع قد تعيد رسم حدود الاشتباك في أكثر من ساحة؟
تاريخ المنطقة يُظهر أن الاتفاقات لا تعني دائماً تجميد كل الملفات، كما أن التصعيد لا يؤدي إلى مواجهة شاملة.
لبنان بحكم موقعه الجغرافي وحساسية توازناته الداخلية، يتأثر بأي تبدّل في ميزان القوى الإقليمي.
غير أن اعتباره ساحة محسومة سلفاً لأي ضربة يبقى افتراضاً لا تؤكده معطيات قاطعة حتى الآن.
فالتحركات العسكرية قد تبقى ضمن إطار الضغط السياسي، كما قد تتطور إلى ما هو أبعد من ذلك، تبعاً لمسار المفاوضات وحسابات الأطراف المعنية.
بين احتمال الاتفاق واحتمال التصعيد، يقف لبنان في مساحة رمادية لا تسمح بالاطمئنان الكامل ولا تبرر الذهاب إلى اليقين القاتم.
ما هو واضح أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة تموضع دقيقة، تتداخل فيها الدبلوماسية مع الرسائل العسكرية، وتبقى نتائجها رهناً بتوازنات لم تستقر بعد.
في انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الدبلوماسية في تحييد الساحات الهشّة عن ارتدادات المواجهة، أم أن هذه الساحات ستظل جزءاً من معادلة الضغط المتبادل؟
لبنان مرة جديدة، يقف عند تقاطع الاحتمالات.
