الرقص على حافة الحرب… شرق أوسط في منطقة رمادية/ آية يوسف المسلماني
ليس سهلاً قراءة ما يجري في المنطقة بوضوح. فالتعقيد العسكري حاضر، لكن الغوص في تفاصيل الميدان قد يخفي الصورة الأكبر.
ما نشهده اليوم ليس إعلاناً واضحاً لحرب وشيكة، بل مشهد يغلب عليه الغموض، حيث تتحرك السياسة والعسكرية في آن واحد، وتصبح الرموز والرسائل جزءاً من لعبة استراتيجية طويلة النفس.
تعثر جولات التفاوض في جنيف، وما نُقل عن مغادرة شخصيات أميركية بارزة، يتزامن مع مؤشرات ميدانية لافتة، إجلاء دبلوماسيين، دعوات لمغادرة رعايا، فتح ملاجئ في مدن إسرائيلية، استدعاء احتياط، وتكثيف أنشطة الدفاع حول مراكز القرار.
إضافة إلى ذلك، يشير تواجد طائرات التزوّد بالوقود الأميركية في مطار بن غوريون إلى جهوزية تتجاوز العمليات الطارئة، كأن المنطقة تُهيأ لمشهد أكبر من مجرد مواجهة عابرة.
غير أنّ ما يبدو ظاهرياً حرباً تقليدية ليس بالضرورة كذلك.
“الحرب خدعة” كما يصفها محللون، فقد تُستغل التحضيرات الاعتيادية لإدخال إيران في أجواء مواجهة كلاسيكية، فيما يمكن أن تأتي الضربة الحقيقية من زاوية غير متوقعة تماماً. الفشل في قراءة هذه اللعبة سيكلف واشنطن الكثير، ليس فقط عسكرياً بل سياسياً واستراتيجياً.
الاستعدادات الأميركية في المنطقة لا تستهدف نظام الحكم في إيران فقط، بل أنظمة مختلفة، ولها أفق طويل الأمد، بحيث يمكنها أن تغيّر ملامح الشرق الأوسط بشكل أوسع.
في هذا الإطار، لا يُنظر إلى العملية العسكرية المحتملة بوصفها حرباً مفتوحة، بل كضربة واحدة دقيقة تحقق أهدافاً سياسية محددة، وفق رؤية تصب في مصالح قيادات أميركية وإسرائيلية سابقة، وتعيد ترتيب التوازنات الإقليمية بأقل تكلفة ممكنة.
ومع ذلك يبقى الاحتمال مفتوحاً.
قد تتحول التحضيرات إلى صدام محدود، أو قد تبقى مجرد ضغط سياسي واستراتيجي، أو حتى خدعة للتأثير على الحسابات الإقليمية.
إدخال إيران في أجواء مواجهة تقليدية، وفتح المجال أمام قراءة خاطئة للنية الحقيقية، هو جزء من هذه اللعبة، حيث الغموض نفسه يصبح سلاحاً.
الرقص على حافة الحرب لا يعني السقوط فيها، لكنه يكشف هشاشة التوازنات، وحساسية أي خطوة.
بين التفاوض المتعثر والاستعدادات المتصاعدة، يبقى الشرق الأوسط في منطقة رمادية، حيث احتمال الضربة قائم، واحتمال عدمها قائم أيضاً، وما يحدث اليوم قد يكون تمهيداً لخطوة مفاجئة، أو مجرد إعادة ترتيب للورق داخل لعبة أعصاب طويلة الأمد.
في زمن كهذا تصبح الأسئلة أهم من الإجابات، والغموض استراتيجية، والانتظار موقفاً سياسياً بحد ذاته.
