لبنان في ظل الحرب الكبرى… بين اختلال العالم وضرورة حماية الوطن/ آية يوسف المسلماني
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي لم يشهد النظام الدولي اختلالاً في ميزان القوة كما نشهده اليوم. فالعالم يبدو وكأنه يميل بثقله نحو قطب واحد تقوده الولايات المتحدة، فيما تقف القوى الكبرى الأخرى في موقع المتفرج أو المتردد.
الصين التي يُفترض أنها المنافس الاستراتيجي الأول لواشنطن، لا تبدو حتى اللحظة راغبة في خوض مواجهة نفوذ مفتوحة مع الأميركيين.
أما الاتحاد الأوروبي فيبدو منشغلاً بأزماته الداخلية وبمحاولة الحفاظ على حد أدنى من التوازن في علاقته مع واشنطن.
وفي المقابل تقف روسيا التي تخوض حرباً طويلة مع أوكرانيا منذ سنوات، عاجزة عن لعب دور موازن فعلي في الشرق الأوسط.
وسط هذا الاختلال الدولي، انفجرت مواجهة واسعة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. ولم تعد المواجهة تبدو مجرد صراع تقليدي بين دولتين، بل مواجهة إقليمية ذات أبعاد دولية، تحمل في طياتها احتمالات إعادة رسم موازين القوة في المنطقة بأسرها.
تشير المعطيات إلى أن المرحلة الأولى من الضربات ركزت على استهداف رأس القيادة في النظام الإيراني، في محاولة واضحة لكسر مركز القرار وإحداث صدمة سياسية داخلية.
غير أن المواجهة سرعان ما انتقلت إلى مستوى أكثر اتساعاً، مع ضربات استهدفت بنى أمنية ومواقع حساسة داخل المدن الإيرانية.
في المقابل جاء الرد الإيراني سريعاً عبر موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت العمق الإسرائيلي، كما طالت مواقع وقواعد عسكرية أميركية في عدد من دول الخليج.
لم يكن هذا الرد مجرد رسالة عسكرية، بل محاولة لفرض معادلة جديدة مفادها أن أي حرب على إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستتحول إلى مواجهة تمتد على مساحة الإقليم بأكمله.
وفي موازاة التصعيد العسكري، بدأت التداعيات الاقتصادية تظهر سريعاً. فمجرد التلويح بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، كان كافياً لرفع أقساط التأمين على السفن بشكل كبير. وفي عالم مترابط اقتصادياً، قد تتوقف حركة التجارة أحياناً ليس بسبب صاروخ أو لغم بحري، بل بقرار تتخذه شركة تأمين في لندن.
لكن وسط هذا المشهد الإقليمي المتفجر، يبرز السؤال الأكثر حساسية بالنسبة للبنانيين، أين يقف لبنان من هذه الحرب؟
الواقع أن لبنان يعيش أصلاً تحت ضغط أمني دائم نتيجة التوتر المستمر مع إسرائيل. فالخروقات الجوية والاعتداءات المتكررة والاحتلال المستمر لأجزاء من الأراضي اللبنانية تجعل الحديث عن حياد كامل مسألة معقدة، إن لم تكن بعيدة عن الواقع.
ومع ذلك فإن تحويل لبنان إلى ساحة مواجهة مفتوحة في حرب إقليمية شاملة سيكون مغامرة خطيرة. فالبلد الذي يواجه واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، ويعاني هشاشة مؤسساتية واضحة، لا يحتمل حرباً جديدة قد تدمر ما تبقى من مقومات الدولة والمجتمع.
لا يعني ذلك تجاهل حق لبنان في الدفاع عن أرضه أو الرد على أي اعتداء. لكن الفرق كبير بين الدفاع عن السيادة الوطنية، وبين الانجرار إلى حرب واسعة تتجاوز حدود المصلحة اللبنانية.
فلبنان ليس مجرد جبهة عسكرية في صراع إقليمي، بل وطن يعيش فيه ملايين البشر الذين يدفعون دائماً كلفة الحروب أكثر من غيرهم.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه اللبنانيون اليوم ليس سؤال الاصطفاف في معسكرات المنطقة، بل سؤال المصلحة الوطنية.
كيف يمكن حماية لبنان من تداعيات حرب كبرى تتوسع حوله؟
حتى الآن تبدو معظم القوى الإقليمية حذرة من الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فالقوى الحليفة لإيران في المنطقة لم تدخل الحرب بشكل مباشر رغم حجم التصعيد. وهذا يشير إلى إدراك عام بأن انفجار حرب إقليمية واسعة قد يخرج سريعاً عن سيطرة الجميع.
غير أن الحروب الكبرى في التاريخ كثيراً ما تبدأ بخطوات محسوبة، قبل أن تتدحرج الأحداث فجأة إلى ما لا يمكن التحكم به.
في عالم يختل فيه ميزان القوة، قد لا يكون ممكناً للبنان أن يغير مسار الصراعات الكبرى. لكن ما يزال بإمكانه أن يتمسك بقاعدة بسيطة لكنها مصيرية:
حماية لبنان يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.
